بقلم سعيد نافع
في متنها القصصي المتفرد تسائلت مليكة نجيب كثيرا. تسائلت عن ‘‘ الشرط الإنساني ‘‘، تسائلت عن الالتباس بين الحداثة والبداوة، تسائلت عن القلق النفسي، تسائلت عن شروط الجرأة في طرح الموضوع وتناوله، تسائلت عن البوح والتجريد، تسائلت عن ‘‘ شعرية الشعر ‘‘ في زمن المادة … ورغم التساؤلات الكثيرة لم تسقط مليكة نجيب في التجريب.
كمخرج سهل يحاول الكثير من أنصاف المبدعين الالتجاء إليه درءا لسقوطهم الابداعي المزمن، بل عملت من خلاله على شخصنت كل تجاربها القصصية وكان للمتخيل فيها الكثير من الهامش والمكان. شعرها وجودي لكنه لا ينحصر في الذات، يل يمرق من نافذة الانسانية المتحضرة ليعانق أشكالها المتعددة : المرأة، الحب، التماهي، العمق والدلالة …
لا يمكن الحديث عن القصة القصيرة المغربية دون التوقف عند تجرية مليكة نجيب، الراحلة عن دنيانا قبل أيام . مليكة نجيب تقصد الكتابة التفاعلية حيث سعت دائما دائما إلى خلخلة مفاهيم القراءة الكسولة عند القارئ. من أجل ذلك اعتنت مليكة نجيب عناية فائقة بلغتها القصصية مستدعية ذلك القارئ اليقظ الباحث عن متعة فريدة، والذي لايرضى إلا بما هو أصيل ومتفرد في مقروئه، أو لا يبحث سوى عن ما يتطلب مجهودا في الفهم والإدراك .
الراحلة مليكة نجيب ، وهي من مواليد مدينة أرفود، قد حصلت على الإجازة في الآداب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ، وتابعت دراساتها العليا في القانون والإعلام، واشتغلت متصرفة بالإدارة العمومية. وكانت الراحلة نجيب، قد منحت جل اهتماماتها للبحث في مجال أدب الرحلة باعتباره جنسا يعتمد على البحث والتمحيص، فحازت منه عام 2014 على جائزة ابن بطوطة بدبي في فرع الدراسات وفي فرع الدراسات « المرأة في الرحلة السفارية المغربية »، في القرن 18 والقرن 19، حيث حاولت أن تقارن من خلاله بين حضور المرأة الأوروبية في كتابات الرحالة المغاربة . الأديبة الراحلة التي تعتبر خبيرة في مقاربة النوع نتيجة تركيزها على حضور المرأة في المتون السفارية، خلفت إرثا أدبيا كبيرا بعد رحيلها، حيث نشرت أعمالها في العديد من المنابر الوطنية والعربية، من بينها الملحق الثقافي لجريدة العلم، والزمان، والثقافة (التونسية). ومن الإصدارات المتميزة للفقيدة نجد: « الحلم الأخضر 1997، ولنبدأ الحكاية 2000، السماوي 2006، وانفجرت ضاحكة 2008، والتي تضمنت نصوصا قصصية مميزة كنص مروض الحلزون، يوم السعد، غرفة بالمزاد والثدي الملفوف »، إلى جانب مؤلفات أخرى.
كمثال على هذا التجريب المشخصن، في قصة ‘‘مروض الحلزون‘‘ تقحم مليكة القارئ في حالة تركيز شديد في مونولوغ ( حوار ذاتي ) مكثف يبدأ خطيا وما يلبث أن يتشعب وينتج أنساقا حية متجددة مفعمة بسمات المحلية، تستهل مليكة نجيب «مروض الحلزون» بلفت القارئ إلى ضرورة الإنصات العميق لقصتها، وإذ يستحيل الإمتاع دون معرفة أن الهاجس الذي يسود قصة مليكة هو العناية بالفكرة، وهكذا تقول في مطلع ‘‘ مروض الحلزون ‘‘ :
‘‘ نمضي ردحا من الزمان في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع بتفريخ حجج للبرهنة والإيضاح… ويحدث أن نهيم بأفكارنا ويصعب علينا كسف عورتها للآخرين قبل نضجها، مخافة أن تتيه في زحمة التأويل، وتجانب مصب الترتيل تولد الفكرة أحيانا نتيجة علاقة غير شرعية عبر طيش العقل، ويتقبلها المتلقون بتلقائية رأفة بصاحبها، وقد يرفضونها دون تمحيص لأنها نتاج نزوة ‘‘.
مليكة نجيب هي أيضا إحالات متعددة على مفاهيم التواضع والبحث. قالت عن تجربتها ووعيها الأدبي والثقافي خلال حوار أجري معها قبل سنوات قليلة ‘‘هو ما زال قيد التشكل، فتجربتي في الكتابة مشروع رزين يتجنب الامتداد في الخواء، لبناته تسعى للانصهار والالتحام بالصدق والصقل والتعلم من التجارب الأخرى . وكما سبق لي أن قلت، أنا أنكتب أكثر مما أكتب، أنا مادة زئبقية في النص، قد أكون الساردة أو أحد الشخوص وقد أغيب. خلقت نواة في رحم الكتابة، أبحث باستمرار وبتحد الباحث عن هويته، عن جنسي في حضنها: تلبسني الفكرة وأتدثر بعباءة الخيال وأمتطي أحصنة السرد الصعبة الانقياد وأرحل في مجاهل الحكي، يحدث أن يكبو فرسي وينضب مدادي وتستهويني الآفاق غير المنتظرة في محراب جذبتي الابداعية، وأحلم، أنا أحلم دوما أن أبرع في نسج حكايات تستهوي كل القراء المفترضين ‘‘ .
ورغم أن المنية وافتها في نضج زمن العطاء إلا أن الراحلة كانت متشبثة إلى أخر أيامها بمشروعها المعرفي والأدبي، قالت قبيل وفاتها ‘‘ يبقى طموحي في كتابة القصة القصيرة، هي القبض على تمنع ذلك النص الهارب، كما سبقت لي الإشارة إلى ذلك تبقى نصوصي كواكب آفلة، أطمح للفوز بأسلوب متميز وحبكة آسرة، ربما لم أحقق التراكم الكفيل بإحداث ثورة على البناء وخلق نموذج يسمى قصيدة القصة القصيرة، أجتهد في الكتابة، أطمح إلى المساهمة إلى جانب باقي الأصوات المبدعة في البحث عن التجديد والغنى والثراء، مرة انطلاقا من وعي، ومرات بالصدفة، مثلا يوم استعملت فأرة الحاسوب بطلة في نص قصصي، وتمكنت تلك الفأرة من نسج محيط حكائي ينسجم مع توجهاتها، وعلى حد علمي المتواضع كنت من السباقين لتوظيف ذلك في الكتابة ‘‘ .
المقتربون من الراحلة يعرفون أنها كانت لا تبحث عن شهرة ولا تستطيب تملقا ولا اقترابا من دوائر صنع الأسماء الأدبية أو الفنية من لاشيء. رحلت في صمت ونعاها اتحاد كتاب المغرب والمقربون ممن عاشروا تجربتها الفنية والابداعية، تاركة ورائها إرثا فنيا جميلا وثلاثة أبناء في مقتبل العمر .
رحلت إذن الاديبة والقاصة المغربية وعضو اتحاد كتاب المغرب، مليكة نجيب، بعد معاناة مع المرض، واهتمت بأدب الرحلة كجنس يعتمد على البحث والتمحيص، حيث حازت عام 2014 على جائزة ابن بطوطة بدبي في فرع دراسات « المرأة في الرحلة السفارية المغربية » في القرن 18 والقرن 19، والتي قارنت من خلاله حضور المرأة الأوروبية في كتابات الرحالة المغاربة.
الأحداث أنفو