الكاتبة وليدة عتو سوريا
كانت الحياة بالنسبة لها رحلة جميلة,والمستقبل حلمآ وردبآ يدغدغ خيالها,
والأشياء من حولها تعزف على أوتار الأماني لحنآ شجيآ,يخاطب مشاعرها,ويسكن
داخل أعماقها, والأمل أنشودة تترنم بها فتطرب لها وتعدو لتحتضن الحياة
بكل ما فيها من رؤى مفرحة عشقت الحياة من خلالها فعاشتها ببراءتها المفرطة
وحسها الطفولي الذي سبقه عمرها,وتعداه شبابها, طولها الفارع, وتقاطيعها
المتناسقة, وجمالهاالرائع…
كان عالمها نظيفآ ممتلئآ بالبراءة والعفوية…
لذا عاشت في صومعتها العالية تتأبط صولجانها,ويزين جبهتها تاج من النقاء.
خمسة عشر عامآ مضت من عمرها دون أن ترى قذارات النفوس البشرية,أو تطالها
سيوف ألسنتهم القاتلة…
استيقظت يومآ على تعفنات الأرصفة تزحف نحوها لتلطخ بياض ثوبها الناصع,
فكان لها القدر بالمرصاد ليقذف بها إلى أعماق المجهول وتضيع في سراديبه
العميقة المظلمة, وفي قاعه السحيق تضيع كل الأحلام وتنتهي كل الأماني.
كان ذلك بعدما امتص رحيقها ذاك الزوج الأرعن وتركها وردة ذابلة تشكو
غدر قاطفها حتى قبعت في قوقعتها مجرد أوراق ملونة تتكدس بين نفايات
المجتمع. هكذا راحت الألسن تلاحقها والعيون تراقبها,وكل شيء يصرخ بها:
أنت مطلقة… مطلقة…مطلقة…
صحت من غفوتها لتجد نفسها تتنقل في غرفتها مثقلة الخطى, تغزو الحيرة
أحداقها والقلق يعصف بأجفانها فحرمها لذة النوم.. طرق سمعها صوت أمها
فرحآ لتحمل لها خبرآ كالمعتاد قائلة:
-ناهد…ناهد…تعالي ياابنتي…
اقتربت ناهد كشعاع جميل أتعبه شق الظلام وغلبه قدوم المساء الحزين:
-نعم ياأمي.
قالت: لها أمها وقد اختلط على ملامح وجهها علامات الحزن والفرح:لقد جاءت
منى وقالت لي إنها تريد أن تخطبك لقريبها ماهر الذي رأيته عندها. ستأتي
مع ماهر وأهله لرؤيتك هذا المساء… قالت ذلك وقد اختلطت الدمعة
بالابتسامة, أضاءت الدنيا في وجه ناهد وأوقدت أمام عينيها آلاف الشموع
وأنار طريقها المظلم ألف نجمة وكوكب….
أطرقت رأسها برهة وامتدت يدها إلى شفتيها المرتجفتين تداعبهما…وعيناها
قد ارتحلتا إلى عالم الخيال.
زمن قصير مضى وتسدل ناهد يديها وتستدير متثاقلةالخطى إلى غرفتها دون أن
تلفظ أية كلمة…
بطيئ عقارب الساعة في نظر ناهد وكأن عجلة الأيام قد توقفت عن المسير!…
أدخلت يديها في بعضهما…وتتسارع أنفاسها.في المساء سيكون يوم الميعاد
هل ستلقي حتفها؟ أم سيحنو عليها القدر لتبدأ حياة جديدة؟…
أسئلة كثيرة تطرح نفسها وتهاجم أفكارها…وإجابات متعددة تنهال من
مشاعرها…ما أطول هذا اليوم؟!…يا للفرحة… هاهي الشمس تميل نحو
الغروب. هاهو المساء يسدل ستاره ليحجب الرؤيا ويتساوى الناس في أشكالهم
ويصبحواأشباحآ تحت جنح الظلام…
طرقات خفيفة مهذبة على الباب تزعزع أفكار ناهد,وضجيج يتعالى يدل على
وضع الأسرة المنتظرة…لقد حضر الجميع…
حضرت منى ومعها قريبها!…
انقطعت الأصوات…وخيم الصمت طويلآ.لكن قلب ناهد يزداد خفقانآ ليلتقط كل
كلمة تقال…فهنا مصيرها…وهنا حياتها التي أصبحت معلقة على رؤوس
الشفاه…جلست ناهد في ركن من البيت تجول بنظرها وجوه الجميع…
تختلس النظر في العيون وهي على أحر من الجمر لسماع كلمة تخط لها مسيرة
حياتها وتحتم مصيرها…دقات قلبها تزداد متسارعة وصوت أنفاسها يتعالى
وكأنها في قفص الإتهام…لم يطل بها الوقت هكذا لأن صوت أمها قد اخترق
سمعها بعبارات تقليدية:
-ناهد…أحضري القهوة للضيوف ياعزيزتي.
امتثلت ناهد لطلب أمها فغادرت مكانها بجسمها وعينيها لكن سمعها ظل
ينتظر سماع الكلمة أو الهمسة,وجاءت ناهد تحمل القهوة,دخلت والخجل يداعب
خديها ويسدل أهدابها وتنحني بكل رقة وعذوبةوتقدم القهوةللضيوف…
جلست كما تقتضي العادات وتوجهت الأنظار إليها لتتفحصها وكأنها قطعةأثاث
يريدون التأكد من سلامتها…دقائق وخرجت ناهد لتفسح المجال للحديث بموضوع
الزواج- هكذا كانت العادة- وفور خروجها:أشار الشاب لأمه بأنها أعجبته,
ودار الحديث حول الخطبة فاسترسلت الأم في حديثها وراحت تشرح لهم سبب
طلاق ابنتها,وكيف كانت ضحية زوج أبله أذاقها أصناف العذاب والقهر…
فوجئت أم ماهر بأن ناهد مطلقة,فمنى لم تخبرها من قبل,لذا فقد امتقع
وجهها, وجحظت عيناها من شدة الدهشة,
وراحت تجول النظر في الوجوه,ثم استقر بصرهاعلى وجه قريبتهاوعواصف الغضب
تزلزل تقاطيع وجههاحتى بدأت يداها ترتجفان وفنجان القهوة يتراقص بين
أصابعها فرمته على الطاولة بعصبية,وراحت ترمي قريبتها بنظرات قاسية
تشبه الرصاص…
كانت تعابير الرفض والاحتجاج تنطلق من عينيها كسهام قاتلة والكلمات قد
اختفت بين شفتيها عندما أطبقت فكيها حتى كادت أسنانها تتكسر,ثم نهضت
من فوق مقعدها بشكل عشوائي وسريع, وبدأت تتفحص محتويات الغرفة باستهزاء
وسخرية…
بهت الجميع من حولها!…نهض ماهر ليسأل ما بها…
ونهضت منى مزعورة لتعرف ماذا جرة؟…حاول ماهر الكلام فأسكتته بإشارة
من يدها,اقتربت منى منها فأبعدتهاعنها واتجهت نحو باب الغرفة لتخرج
منه دون أية كلمة وداع, تبعها ماهر وتبعته منى بعد أن ألقيا نظرةاعتزار
وأسف, ساد الصمت في أرجاء الغرفة وخيم الظلام.
فكان الجميع في حالة ذهول واندهاش,لم يصحوا إلا على صوت الباب وهو يغلق
بعنف, أما ناهد فقد كانت واقفة خلف باب غرفتها تصيغ السمع على
أن يصلها كلمة تثلج صدرها, غير أنها لم تسمع أية كلمة أو صوتآ بعد أن
دخلت أمها بقصة طلاقها إلى نصفها فأقلقها هذا السكون الثقيل الذي يمزق
ظلمة الحياة فتسلل الخوف إلى نفسها وراحت تسأل نفسها قائلة… لماذا
هذا الصمت الرهيب الذي ينبىء بوقوع مصيبة.
وبينما هي على هذه الحال من المخاوف. وإذا بالباب يصفع بعنف ليقع في
رأسها كالقنبلة المدمرة.
فقد وضح الأمر, ياإلهي لقد صدر الحكم بالإعدام…..
لقد رفضوها, فوضعت يدها على قلبها وصرخت: آه… آه …
لقد شطرتم قلبي, ومزفتم أحشائي.
ركضت الأم إلى ابنتها, واحتضنتها والدموع تنساب من عينيها لتغسل
كل أحزان ابنتها.
– يكفي ياأمي…
هكذا قالت ناهد وهي منهارة النفش, ممزقة القلب.
– لقد انتهيت ياأمي فقد أشعلتم النيران في قلبي, دعيني أستريح
ياأمي… دعيني أستريح.
خرجت الأم من الغرفة لتحتصن أحزان ابنتها, وتغسل بدموعها جراح القلب
الدامي.
بقيت ناهد تزرع الغرفة جيئة وذهابآ وهي تنظر إلى المرآةوتقول:
– هل رفضوني لشكلي؟ أم لأنني مطلقة؟ وإذا كان السبب بأنني مطلقة فهل
ذنبي إذا طلقت؟ وهل المطلقة محكوم عليها بالموت؟ رباه خذني إليك وأنقذني
من عذاب البشر, رباه لم كل هذا الظلم, وهذه القسوة التي أعامل بها؟
وارتمت فوق سريرها لتبلل بدموعها غطاء السرير, وتنهش روحها ظلمة الحياة.
ولتحدث انفجارآ عنيفآ من كلمة مطلقة يدوي في رأسها فيزعزع النور من
حولها وينشر الظلام من جديد في حياتها, وبراكين الخوف تقذف حممها لتحرق
كل أمل أو حلم في الحياة, لقد لف القدر حبل المشنقة حول عنقها لأنها
دخلت قفص الاتهام… إنها مطلقة. عادت ناهد إلى قاعها السحيق لتستقر
كومة عظام في إحدى زواياه ولتتراكم فوقها كل نفايات العالم, ولتغطيها
أكوام من التراب!
انتهت << وليدة عتو>>