ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
غالباً ما تُوصَف الانتخابات المغربية بقاموس سياسي يتضمن مفردات الأحزاب السياسية، والمرشحين، والبرامج، والحملات، والكتلة الناخبة. غير أن هذه اللغة الرسمية لا تعكس بصورة كاملة الكيفية التي تشتغل بها السياسة الانتخابية في الممارسة. فبين المواطن والحزب يمتد فضاء اجتماعي معقد يضم الأعيان، ووسطاء الأحياء، والشبكات العائلية، والوسطاء المهنيين، والفاعلين الجمعويين، وأصحاب النفوذ المحلي، والوسطاء غير الرسميين. ومن ثم، فإن الصوت الانتخابي قد يعبر شبكة من العلاقات الاجتماعية قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع. ولفهم هذه المنظومة، من المفيد أن نتجاوز النظر إلى الزبونية بوصفها مجرد آلية تبادلية للمنافع، واستحضار خطاطة ثقافية أعمق يمكن تسميتها النموذج المارابوتي للوساطة السياسية. ولا يعني ذلك أن الانتخابات المعاصرة تُختزل في طقوس دينية، أو أن الناخبين يعيدون بصورة واعية إنتاج سلطة الولي، بل إن الحجة تتمثل في أن خطاطات ثقافية أقدم، تقوم على شخصنة السلطة والحماية والقرب والثقة، يمكن أن تنتقل إلى المؤسسات السياسية الحديثة وتُعاد صياغتها بما ينسجم مع شروطها وآليات اشتغالها.
ويقوم النموذج المارابوتي على منطق علائقي بسيط: تتجسد السلطة في الأشخاص أكثر مما تتجسد في المؤسسات غير المشخصنة. فالولي، وأحفاده، والسلطان الشريف يحظون بالثقة لما يؤدونه من وظائف الحماية والتحكيم والشفاعة وتيسير الوصول ومنح الحصانة، فضلاً عن تركيزهم رأسمالاً رمزياً في أشخاصهم. ولا يعني ذلك أن الفاعلين السياسيين المعاصرين أولياء بالمعنى الحرفي، وإنما الذي يستمر هو بنية الثقة ذاتها: إذ توضع الثقة في أشخاص يُعتقد أنهم قادرون على الحماية والوساطة والتدخل وتحقيق المطلوب. ويساعد هذا المنطق على تفسير استمرار ما يمكن تسميته “بالديمقراطية المشخصنة”. ففي المغرب، لا يرتبط الناخب دائماً في المقام الأول بالحزب بوصفه مؤسسة، ولا بالبرنامج الانتخابي بوصفه عقداً سياسياً مجرداً، بل قد يضع ثقته في شخص يعرفه، أو يعرف عنه، أو يراه قادراً على حل المشكلات. وقد يكون هذا الشخص عَيّناً تقليدياً، أو رجل أعمال، أو محامياً، أو طبيباً، أو فاعلاً جمعوياً، أو فرداً من عائلة ذات وجاهة محلية، أو شخصية معروفة ذات علاقات سياسية ونفوذ. ويكشف ذلك عن استمرار قوة الشخصنة والعلاقات الزبونية على حساب التأطير الإيديولوجي والتنظيم الحزبي.
ومن هنا يحتفظ العَيِّن بموقعه في العملية الانتخابية. ففي أعلى الهرم الانتخابي المحلي قد يوجد مرشح يمتلك المال، أو السمعة، أو الوجاهة العائلية، أو النفوذ الاقتصادي، أو الثقل المجالي، أو العلاقات السياسية. غير أن العَيِّن نادراً ما يعبئ الناخبين بمفرده؛ إذ تكمن أهميته السياسية جزئياً في قدرته على تنشيط شبكات من الوسطاء تقع تحته. وتحت العَيِّن تعمل طبقة أخرى هي الوسيط الانتخابي القاعدي. وقد يأتي هؤلاء الوسطاء من الأحياء، والمهن، والأسواق، والجمعيات، وشبكات النقل، والحرف المحلية، والعائلات الممتدة، أو دوائر الصداقة. وهم يعرفون من يسكن أين، وأي الأسر تتمتع بالنفوذ، ومن لديه ملف إداري عالق، ومن يبحث عن عمل، ومن يدين لمن بخدمة، ومن يمكن إقناعه بدعم مرشح معين. وتنبع قوتهم من القرب الاجتماعي والمعرفة الدقيقة بالمجال المحلي. ويمكن، بناءً على ذلك، تمثيل سلسلة الوساطة الانتخابية على النحو الآتي: الحزب ← العَيِّن ← الوسيط الانتخابي القاعدي ← الناخب. فالحزب يمنح التزكية ويوفر مدخل المنافسة الانتخابية الرسمية، والعَيِّن يوفر الموارد والسمعة والعلاقات، بينما يملك الوسيط القاعدي معرفة دقيقة بالنسيج الاجتماعي المحلي. ولذلك لا يكون المورد الحاسم هو المال دائماً، بل القدرة على الوصول.
ولهذا لا ينبغي اختزال الوساطة الانتخابية في شراء الأصوات. فالمال قد يؤدي دوراً، لكن ترسانة الوساطة أوسع من ذلك بكثير. فقد يعد الوسيط شخصاً بالمساعدة في الحصول على عمل، أو تسريع ملف إداري، أو التدخل في نزاع، أو تسهيل الوصول إلى خدمة، أو ربط المواطن بشخص ذي سلطة أو نفوذ. وفي حالات أخرى، قد تعتمد التعبئة على روابط القرابة، أو التضامن بين أبناء الحي، أو الانتماء المهني، أو الصداقة، أو الانتماء المذهبي، أو الالتزامات المتراكمة عبر الزمن. وهكذا يصبح التصويت جزءاً من اقتصاد أوسع للمعاملة بالمثل. فقد لا يفكر الناخب بمنطق: “سأصوت لهذا الحزب لأنني أوافق على برنامجه”، وإنما قد يكون منطقه: “هذا الشخص ساعد أسرتي”، أو “هو قادر على حل مشكلتي”، أو “هي تعرف شخصاً نافذاً داخل الجماعة”، أو “هذا المرشح يحظى بدعم الحيّ”. وبذلك يتداخل الاختيار الانتخابي مع الامتنان، والتوقع، والتبعية، والالتزام الاجتماعي.
وعلى هوامش الحياة الحضرية، قد تتخذ الوساطة أشكالاً أكثر لا رسمية. ففي بعض الأحياء الفقيرة قد تستعين الشبكات الانتخابية بشباب عاطلين يعرفون المجال المحلي جيداً، أو بأشخاص مرتبطين بعوالم الجنوح أو الاقتصاد غير المشروع، أو بفاعلين هامشيين اجتماعياً يملكون شبكات كثيفة من العلاقات المحلية. وفي بعض الملاحظات الميدانية، قد تظهر أيضاً نساء يتحركن داخل شبكات اجتماعية هامشية، بما في ذلك عاملات في الجنس، بوصفهن حلقات وصل بسبب اتساع دائرة معارفهن. ولا ينبغي تعميم هذه الأمثلة على الانتخابات المغربية ككل، لكنها تكشف قاعدة تحليلية مهمة: لا تتطابق القيمة الانتخابية بالضرورة مع المكانة الاجتماعية. فقد يكتسب شخص هامشي اجتماعياً قيمة سياسية مؤقتة لأنه يستطيع الوصول إلى ناخبين لا يستطيع المناضل الحزبي الوصول إليهم. وهكذا تُحوِّل الحملة الانتخابية التموقع داخل الشبكات الاجتماعية إلى رأسمال سياسي. وتتدرج أشكال الوساطة بين التعبئة المشروعة والممارسات غير القانونية أو الإكراهية. ففي أحد أطراف هذا الطيف نجد الإقناع، والتواصل المباشر، والتعريف بالمرشح، والتعبئة عبر الجمعيات، والالتزام بالدفاع عن المصالح المحلية. ثم تأتي الإغراءات المادية، والرشوة الانتخابية المباشرة، والوعود بمنافع فردية، والتدخل لتسهيل مصالح إدارية. وفي بعض الحالات الأكثر إشكالاً قد تُستعمل وسائل الضغط أو التخويف. لذلك ينبغي التمييز تحليلياً بين هذه الممارسات، لأن الوساطة ليست مرادفاً للفساد في حد ذاتها.
ولا يقتصر دور الوسيط على ربط المواطن بالمؤسسة، بل قد يصل إلى حد الحلول محلها في نظره. فعندما تصبح الحقوق والمصالح شيئاً يُنال عبر العلاقات الشخصية لا عبر الضمانات القانونية العامة، يتحول الوصول إلى الخدمات إلى امتياز تفاوضي. ويمكن اختزال هذه الدينامية في مسار واضح: تولّد المسافة عن المؤسسة الحاجة إلى الوسيط؛ والوسيط يحوّل الوصول إلى نفوذ؛ والنفوذ يتحول إلى دعم انتخابي. وتكمن الحجة الثقافية الأعمق في أن هذه البنية من الوساطة تجد صداها في نحو مارابوتي أقدم للسلطة. فالولي، والشيخ الصوفي، والسلطان جسدوا تاريخياً الحماية والتحكيم والشفاعة وتيسير الوصول. أما الوسيط الانتخابي الحديث فيؤدي وظائف شبيهة بصيغة معلمنة: يربط، ويحمي، ويتدخل، ويفتح الأبواب. يتغير الفاعل الاجتماعي، لكن الخطاطة العلائقية تستمر. وتساعد هذه القابلية على التكيف في تفسير كيف يمكن للديمقراطية أن تبدو حديثة في بنيتها، بينما تظل مشخّصة في ممارستها: فالأحزاب موجودة، والبرامج تُصاغ، والانتخابات تُنظم، والأصوات تُحصى، لكن الثقة السياسية قد تبقى مستثمرة في الأشخاص أكثر من المؤسسات. وقد يمنح الناخب ثقته للعَيِّن أو الوسيط أو الشخصية المحلية النافذة أكثر مما يمنحها للحزب ذاته، فيعيد بذلك إنتاج نمط أقدم، تُختبر فيه السلطة أساساً عبر الأشخاص لا عبر البنى المؤسساتية المجردة.
ولم يكن حضور الولي في السياسة الانتخابية المغربية مجرد أثر ثقافي غير مباشر، بل اتخذ في مراحل سابقة أشكالاً عملية واضحة. ظل أداء القسم في الأضرحة ممارسة شائعة إلى حدود ثمانينيات القرن الماضي، واستثمرتها بعض الأحزاب السياسية لضمان أصوات الناخبين. فقد كانت تقدم لهم هدايا قبل الانتخابات، من بينها نعال مطرزة (shrabel)، يُعطى أحياناً فرد منها قبل الاقتراع والآخر بعد ظهور النتائج، ثم تُنقل أعداد من الناخبين في الشاحنات، ولا سيما النساء، إلى ضريح مولاي عبد الله لأداء القسم على أنهم سيصوتون لصالح الحزب أو المرشح المعني. ويكشف هذا المثال أن الضريح لم يكن فضاءً دينياً منفصلاً تماماً عن المجال الانتخابي، بل أمكن توظيف السلطة الرمزية للولي لتثبيت الوعد الانتخابي وتحويل القسم المقدس إلى آلية لضبط الولاء السياسي. وهنا تصبح المارابوتية أكثر من مجرد خلفية ثقافية للسياسة؛ إذ تدخل مباشرة في إنتاج الالتزام الانتخابي من خلال قداسة المكان وهيبة الولي والخوف من نقض اليمين. وفي مستوى آخر من المخيال السياسي، تشير بعض الشهادات إلى لجوء عدد من المرشحين إلى المشعوذين والعرافين وقراءة الطالع، فضلاً عن ممارسات سحرية يُعتقد أنها قد تساعد على تحقيق الفوز الانتخابي. وقد ذاع صيت العرّافة حسنة بمنطقة الخميس في هذا السياق. وتكشف هذه الممارسات عن حضور تصورات غيبية في بعض أشكال التنافس السياسي، من دون أن يسمح ذلك بتعميمها على الانتخابات المغربية ككل.
وتشكل السلطانية جزءاً مهماً من هذه الخلفية التاريخية. فقد جمع التاريخ السياسي المغربي طويلاً بين الحكم السلطاني، والشرعية الشريفة، وشخصنة السلطة، والبنى الهرمية للولاء. وليس المقصود أن السياسة الانتخابية تستنسخ الملكية آلياً، بل أن الثقافة السياسية الأوسع ألفت تاريخياً سلطة متجسدة في الأشخاص. وقد تعزز هذا النمط أيضاً من خلال صورة الولي الذي كان يمكن أن يؤدي، داخل مجاله المحلي، دور سلطان مصغّر، بما يجمعه من سلطة أخلاقية، ووساطة، وحماية، وتحكيم، ونفوذ داخل مجال اجتماعي وترابي محدود. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى العَيِّن الحديث بوصفه نظيراً محلياً مُعَلْمَنًا لهذه البنية القديمة من السلطة المتجسدة؛ فهو لا يمتلك الشرعية المقدسة، لكنه يجمع السمعة والوساطة والحماية والقدرة على الوصول والنفوذ المجالي. وبذلك لا يُعاد إنتاج النموذج المارابوتي حرفياً، بل يُترجم إلى لغة سياسية حديثة تستمر فيها السلطة المشخصنة عبر الوساطة الانتخابية والنفوذ المحلي والقدرة على الوصول إلى المؤسسات.
وهذا يفسر أيضاً لماذا لم يختف العَيِّن المغربي مع التحديث، بل تغيّر شكله. فقد يكون اليوم رجل أعمال، أو مهنياً، أو جامعياً، أو مسؤولاً جمعوياً، أو منتخباً محلياً، أو موظفا ساميا. وما يحدد مكانته هي قدرته على تحويل رأسماله الاجتماعي والاقتصادي إلى نفوذ سياسي. وهكذا تستمر البنية الأقدم من السلطة عبر تغيير حاملها الاجتماعي. وتصبح الأحزاب، بدورها، أكثر اعتماداً على الأعيان. فحين يضعف التنظيم القاعدي، قد يكون استقطاب شخصية محلية ذات نفوذ أسهل من بناء ولاء إيديولوجي طويل الأمد. وهكذا تنشأ دائرة تعيد إنتاج نفسها: تحتاج الأحزاب الضعيفة إلى الأعيان، والاعتماد على الأعيان يُبقي الأحزاب ضعيفة. ويؤكد تحليل ليدل (2010) هذه الغلبة النسبية للزبونية والشخصنة على الإيديولوجيا والمؤسسة في السياسة المغربية. وعندئذ قد تنقلب العلاقة بين الحزب والمرشح؛ فبدلاً من أن يوفر الحزب قاعدة اجتماعية للمرشح، يصبح المرشح هو الذي يمد الحزب بقاعدة انتخابية، وتتحول التزكية الحزبية إلى الإطار الرسمي الذي تدخل من خلاله شبكة اجتماعية قائمة سلفاً إلى المنافسة الانتخابية.
وهذا يساعد أيضاً على تفسير الترحال الحزبي للأعيان. فرأسمالهم الانتخابي لا يقوم أساساً على الهوية الحزبية، بل على الشبكات الشخصية، والنفوذ المجالي، والولاءات المحلية، ولذلك قد لا يترتب على تغيير الحزب كلفة انتخابية كبيرة. ومع اقتراب الانتخابات، قد يتفاوض بعض الأعيان مع أكثر من حزب بحسب فرص التزكية، والحسابات الانتخابية، وشروط التوافق السياسي. فالعَيِّن يحمل شبكته معه، بينما يظل الغلاف الحزبي قابلاً للتغيير. ويعيد هذا تشكيل معنى التمثيل السياسي نفسه. ففي التصور الديمقراطي، يُفترض أن يبدأ المنتخب في التوسط بين المواطن والمؤسسة بعد انتخابه. أما في الوساطة الزبونية، فإن الوساطة تبدأ قبل التصويت؛ إذ يبرهن المرشح على جدواه مسبقاً من خلال إظهار قدرته على حل المشكلات، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وربط المواطنين بمراكز السلطة.
وهكذا تصبح السياسة مشخّصة قبل أن تصبح مؤسساتية. فالطريق، والمرفق الصحي، والمدرسة، وبرامج التشغيل تنتمي إلى مجال السياسة العمومية والمنافسة حول المنافع الجماعية؛ أما تسريع ملف شخص بعينه أو مساعدته على الحصول على وظيفة، فينشئ علاقة شخصية من الالتزام والرد بالمثل. وفي هذا السياق لا يكتفي الوسيط الانتخابي بنقل الرسائل السياسية، بل يحوّل القرب والتبعية والثقة إلى دعم انتخابي. ومن خلال العدسة المارابوتيه، تكشف هذه الشخصنة عن استمرارية تاريخية أعمق: فالديمقراطية الانتخابية المغربية لا تزيح بالضرورة الأشكال الأقدم للسلطة، بل يمكن أن تستوعبها وتعيد علمنتها. يتحول الولي إلى عَيِّن، والشيخ إلى راعٍ سياسي، والحماية إلى وساطة إدارية، والولاء إلى دعم انتخابي. ولا يعني ذلك أن كل ناخب أو حزب أو انتخابات تخضع لهذا النموذج، وإنما أنه يساعد على تفسير استمرار قوة الثقة الشخصية داخل مؤسسات حديثة في شكلها. ومن ثم، فإن السؤال المركزي ليس ما إذا كان المغرب يعرف انتخابات وأحزاباً وبرامج، بل كيف تُنتَج الثقة السياسية اجتماعياً، وفيمن تتجسد؟ فقد يكون صندوق الاقتراع حديثاً، لكن الثقة تظل متجسدة في الأشخاص. وهنا تكمن مفارقة الوساطة الانتخابية في المغرب: الصوت فردي، لكن الطريق إلى صندوق الاقتراع قد يمر عبر سلسلة مارابوتيه حديثة من الثقة والحماية والوساطة.