حسناء شهاب
في كل موسم انتخابي يعود سؤال قديم إلى الواجهة: هل يصوّت الناخب القروي للبرنامج، أم للشخص؟ وهل اختياره السياسي نابع من قناعة أم من علاقة؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يخفي وراءه بنية اجتماعية وسياسية أكثر تعقيداً. فالصندوق الانتخابي في العالم القروي لا يكون دائماً مجرد مكان تُترجم فيه البرامج السياسية إلى أصوات، بل قد يصبح أحياناً امتداداً لشبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والعائلية والمحلية.
لقد أظهرت دراسات حول السلوك الانتخابي في الوسط القروي المغربي أن عوامل مثل القرابة، والاعتماد الاقتصادي، والزبونية، والروابط المحلية، وحتى الشائعات، يمكن أن تؤثر في السلوك الانتخابي. كما أن حضور الأعيان والشخصيات ذات النفوذ المحلي ظل، تاريخياً، عاملاً مهماً في تعبئة الأصوات.
لكن هل يعني ذلك أن التصويت القروي هو بالضرورة تصويت ولاء؟كما لا يمكن اختزال القروي في «صوت يباع» فهذا ظلم للناخب القروي.
فالقرية المغربية تغيرت. والشباب القروي تغيروا. والتعليم والهجرة والإعلام والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي وسعت دائرة الوعي السياسي. ولم يعد الناخب القروي بالضرورة أسيراً للأعيان أو للعائلة أو للقبيلة كما كان في السابق. وتشير أبحاث حديثة إلى بروز قيادات شبابية وجمعوية في مناطق قروية، تحمل تصورات جديدة للتنمية المحلية وتدخل المنافسة السياسية خارج الأطر التقليدية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الناخب القروي يصوّت بعلاقته أم بولائه؟
بل السؤال الأعمق هو:
هل نجحنا في تحويل العلاقة الاجتماعية إلى مواطنة سياسية؟
فالعلاقة في حد ذاتها ليست عيباً. أن يعرف المواطن مرشحه، وأن يثق فيه، وأن يكون قادراً على التواصل معه، أمر صحي في الديمقراطية. المشكلة عندما تصبح العلاقة بديلاً عن البرنامج، ويصبح القرب الشخصي أقوى من الكفاءة، وتصبح الخدمة الفردية أهم من المصلحة العامة.
عندها يتحول المرشح من ممثل للمواطنين إلى وسيط بينهم وبين الدولة، ويتحول المواطن من صاحب حق إلى طالب خدمة.
وهنا تحديداً ينبغي أن نتوقف.
لأن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأصوات داخل صناديق الاقتراع، وإنما أيضاً بالدافع الذي يقف وراء تلك الأصوات.
إذا كان المواطن يصوّت لأنه مقتنع ببرنامج، فنحن أمام اختيار سياسي.
إذا كان يصوّت لأنه يثق في شخص، فنحن أمام تصويت علائقي.
إذا كان يصوّت لأنه ينتمي إلى عائلة أو جماعة محلية، فنحن أمام تصويت تضامني أو هوياتي.
أما إذا أصبح التصويت مقابلاً لمنفعة أو خدمة أو حماية، فنحن أمام الزبونية.
وإذا تحول هذا كله إلى التزام دائم تجاه شخص أو عائلة أو شبكة نفوذ، عندها يمكن الحديث عن تصويت الولاء.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام السياسة في العالم القروي: ليس إلغاء العلاقات، وإنما نقلها من منطق الولاء للأشخاص إلى منطق الثقة في المؤسسات؛ ومن منطق “ماذا ستفعل لي؟” إلى منطق “ماذا ستفعل للمنطقة؟”.
فالقرية لا تحتاج إلى مرشح يعرف كيف يجمع الأصوات فقط، بل إلى ممثل يعرف كيف يحول أصواتها إلى سياسات عمومية وتنمية وعدالة مجالية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل استحقاق انتخابي:
هل ندخل إلى صندوق الاقتراع كمواطنين نختار من يمثلنا، أم كأفراد نؤدي دين علاقة قديمة؟
بين التصويت بالعلاقة والتصويت بالولاء والتصويت بالقناعة، تتحدد في جزء كبير منها صورة الديمقراطية التي نريدها.
تعليقات الزوار