العلم في المقرر فقط

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
لا تكمن إحدى مفارقات التعليم الحديث في المغرب في غياب العلوم عن المدرسة، فالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والرياضيات والفلسفة وغيرها من العلوم حاضرة في البرامج منذ سنوات طويلة، بل في الفجوة بين تعلّم محتوى العلم وبين اكتساب طريقة علمية في التفكير. قد يعرف التلميذ قوانين الطبيعة، ويحفظ وظائف أعضاء الجسم، ويفهم في ورقة الامتحان معنى الفرضية والتجربة والسببية، ثم يغادر القسم، فيتعامل مع أحداث حياته اليومية بمنظومات تفسيرية ثقافية لم تدخل مجال الفحص المدرسي قط. وبذلك يمكن أن تتجاور في ذهن الشخص نفسه معرفة علمية مدرسية وثقافة يومية تفسر المرض بالعين أو السحر، والتعثر بالعْكْس، والنجاح بالبركة أو الحسد، وتكتفي عند تناول الطعام بصفة “الحلال” دون أن تسأل بالضرورة عن قيمته الغذائية وآثاره الصحية.

تتجلى قوة السببية الثقافية، أو ما يمكن تسميته بالإتيولوجيا الثقافية، خارج الفصل الدراسي بصورة أوضح مما تتجلى داخله. فالتلميذ قد يتعلم في المدرسة تفسير المرض أو الظواهر الطبيعية والاجتماعية بلغة السبب والملاحظة والدليل، لكنه يعود في حياته اليومية إلى شبكة سببية موروثة، جاهزة، تفسر المرض بالعين أو السحر، والتعثر بالحسد، والنجاح بالبركة و”الزْهَر”. ولا ترد هذه الأمثلة على سبيل الحصر، بل بوصفها مؤشرات على نمط أوسع من التفسيرات الثقافية التي يمكن للقارئ أن يستحضر لها أمثلة عديدة مشابهة من الحياة اليومية. وهكذا لا تختفي المعرفة العلمية، لكنها تتعايش مع نظام سببي ثقافي أكثر رسوخًا في الممارسة اليومية، لأن المدرسة لم تنجح دائمًا في جعل أدوات التفكير العلمي تمتد من المقرر إلى تفسير الحياة نفسها.

ليست هذه المقالة دعوة إلى محاربة المعتقدات الغيبية أو إلى اختزال الحياة الإنسانية فيما يمكن قياسه داخل المختبر. فالمعنى والقيم والرموز والإيمان والانتماء قضايا لا يمكن اختزالها في التجربة، كما أن المجتمعات الحديثة نفسها لا تخلو من الاعتقادات غير التجريبية. إن السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما تنتقل المقولات الدينية أو الغيبية من مجال الإيمان، والقيمة، والرمز إلى مجال تفسير ظواهر واقعية يمكن فحص أسبابها علميا؟ وماذا يحدث تربويًا عندما تدرّس المدرسة العلوم من دون أن تدرب المتعلم على التمييز بين أنواع السرديات، وعلى معرفة أي نوع من الأدلة يناسب كل سردية؟ من هنا أقترح استعمال مفهوم “المصفاة الدينية” بوصفه مفهومًا إجرائيًا، والمقصود به مجموع التصنيفات والمعتقدات والتصورات الغيبية والأحكام المعيارية التي يمر عبرها الواقع قبل أن يُفهم ويُصنف ويُفسَّر. فالثقافة لا تزود الفرد بإجابات جاهزة فحسب، بل تحدد كذلك أي الأسئلة تبدو له طبيعية وأيها يظل خارج مجال الرؤية. والمشكلة لا تبدأ بوجود هذه المصفاة، بل عندما تستحوذ هذه المصفاة على مجالات معرفية مختلفة وتصبح أداة شاملة للسببية والتصنيف والحكم في آن واحد.

المصفاة الدينية بوصفها أداة شاملة لقراءة الواقع

لا يدرك الإنسان الواقع بوصفه مادة خامًا ومحايدة؛ إنه يتعامل معه من خلال أطر ثقافية اكتسبها بالتنشئة، تحدد ما الذي ينتبه إليه، وكيف يرتب الظواهر، وأي الأسباب يراها معقولة، وما الحكم الذي يصدره عليها. وفي مجتمع يحتل فيه الدين موقعًا واسعًا في التنشئة، يمكن أن تصبح بعض الأسئلة تلقائية: هل هذا حلال أم حرام؟ هل وراء ما حدث عين أو حسد؟ هل هذا ابتلاء؟ هل في هذا الشخص أو المكان بركة؟ هل تدخلت قوة غير مرئية؟ وهذه الأسئلة لا تدل في ذاتها على رفض العقل، لكنها تكشف عن بنية تصنيفية وتفسيرية تسبق أحيانًا عملية البحث نفسها. تعمل المصفاة الدينية بأكثر من وظيفة. ففي المرض قد تكون سببية، لأنها تقترح تفسيرًا لما وقع. وفي الطعام تكون معيارية وتصنيفية، لأنها تحدد المباح والممنوع. وفي السلوك الاجتماعي تصبح أخلاقية ورقابية، لأنها تحكم على الأفعال والعلاقات والملابس وأنماط الحياة. ولذلك فالأدق ألا تُفهم بوصفها “سلطة تفسيرية” فقط، لأن أثرها يتجاوز التفسير إلى تحديد المعايير والأسئلة وحدود المقبول.

يمكن للفرد، بطبيعة الحال، أن يستعمل أكثر من مصفاة في الوقت نفسه. قد يؤمن بالعين ويذهب عند المرض إلى الطبيب أولًا؛ وقد يلتزم بالطعام الحلال ويسأل بالتوازي عن السكر والدهون والسعرات؛ وقد يؤمن بالبركة لكنه يفسر نجاح مشروع اقتصادي من خلال العمل، والتمويل، والسوق، والكفاءة. هنا تتعايش أنظمة للمعنى من دون أن يلغي أحدها الآخر. يبدأ الإشكال حين تتحول مصفاة واحدة إلى مرجع يطالب بالإجابة عن أسئلة تنتمي إلى حقول مختلفة، فيصبح الحكم المعياري تفسيرًا سببيًا، ويصبح الاعتقاد الغيبي بديلًا عن الاختبار، وتُستعمل اللغة نفسها لقراءة المرض والغذاء والزواج والعمل والنجاح والفشل والسلوك الاجتماعي.

الخارق للطبيعة

يتعرف الطفل، عبر التنشئة الدينية، إلى عالم يتجاوز ما تدركه الحواس مباشرة: الملائكة والجن والشياطين والمعجزات والتدخل الإلهي، وعالم الغيب، والثواب، والعقاب. ولا تكمن المسألة في الاعتقاد بهذه العناصر، فهي جزء من البناء العقدي والرمزي للتقاليد الدينية، وإنما في أثر المخيال الذي تنتجه، وفي الكيفية التي يمكن أن تنتقل بها من مجال الإيمان والمعنى إلى تفسير وقائع مادية واجتماعية محددة. فالخارق للطبيعة يوسّع مجال الخيال ليشمل فاعلين وقوى وعلاقات سببية لا تخضع بالضرورة للملاحظة المباشرة أو للاختبار. وهذا النمط من تصور العالم ليس مشكلة داخل مجاله الديني والرمزي، لكنه يصبح ذا أثر معرفي عندما يُستدعى بوصفه خطاطات لتفسير ظواهر ينطلق التفكير العلمي في فهمها من منطق مختلف؛ إذ يقوم هذا الأخير على الاستدلال المنظم، وربط الادعاء بالدليل، والبحث عن أسباب قابلة للفحص، ومقارنة الفرضيات واستبعاد البدائل. ومن ثم قد يتجاور في الذهن نمطان مختلفان: مخيال يسمح بإدخال قوى غير مرئية في سلسلة التفسير، ونمط علمي لا يسمح بإدماج مثل هذه الفرضيات في تفسير الظاهرة، ما لم يمكن إخضاعها لقواعد الإثبات والفحص. فحين تنتقل عناصر الخارق للطبيعة من المجال الرمزي إلى تحديد سبب واقعة بعينها، لا نعود أمام معنى ديني فحسب، بل أمام تفسير ينافس تفسيرات أخرى داخل مجال الإثبات. وهنا يصبح السؤال المعرفي متعلقًا بأساس الاستدلال نفسه: مدى قدرة التفسير على تقديم أدلة يمكن فحصها، وعلى مقارنة نفسه بفرضيات بديلة، وعلى قبول المراجعة أو الاستبعاد عندما لا تسنده الوقائع.

ولا ينتقل هذا المخزون التفسيري من النص الديني إلى الحياة اليومية بصورة آلية. فالأسرة، والتقاليد الشفوية، والذاكرة المحلية، والموروث الشعبي، والتجربة الجماعية تعيد تشكيله. ومن هذا التفاعل الثقافي تتكون شبكة مألوفة من التفسيرات: مثلا، يصيب الجن الإنسان بسبب “الضيم”، وتسبب العين المرض أو التعثر، وينتج الفشل في الزواج عن السحر، ويسبب الحسد الخسارة، وتجلب البركة النجاح أو الحماية. ومع الزمن قد تصبح بعض هذه التفسيرات جاهزة للاستدعاء قبل أن يبدأ البحث في الأسباب المرئية. يظهر أثر المصفاة الغيبية بوضوح في مجال الصحة. يبدأ المنهج الطبي، من حيث المبدأ، بسؤال عن الآلية: ما الذي أدى إلى هذه الأعراض؟ ثم يبحث في أسباب بيولوجية أو نفسية أو بيئية قابلة للفحص بالتشخيص والتحليل والملاحظة. أما المصفاة الغيبية فتتيح شبكة أخرى من السببية: العين، والسحر، والجن، والحسد. لا يكمن التحول المهم في اختلاف الجواب فقط، بل في إعادة صياغة السؤال نفسه. فقد يتحول “ما الذي سبب ما وقع؟” إلى “من فعل هذا بي؟”. وهنا ينتقل التفكير من البحث عن آلية إلى البحث عن فاعل خفي: حاسد، أو ساحر، أو عين، أو قوة غير مرئية. ويمكن تسمية ذلك “إزاحة السببية”: انتقال مركز التفسير من عوامل يمكن ملاحظتها وفحصها والتدخل فيها إلى عوامل لا تخضع لطريقة الاختبار نفسها. ليس ضروريا أن يكون هناك تعارض دائم بين الاعتقاد الشعبي والطب؛ فكثيرون يجمعون بين زيارة الطبيب واللجوء إلى أشكال أخرى من الحماية الرمزية. لكن المسألة الحاسمة هي ترتيب الأولويات عندما ينبغي اتخاذ قرار. فإذا أدى الاعتقاد بالسحر أو العين أو الجن إلى تأخير التشخيص، أو رفض العلاج، أو تفسير أعراض نفسية وجسدية تفسيرًا غيبيًا حصريًا، فإن الاعتقاد لا يعود شأنًا شخصيًا فحسب، بل يتحول إلى تفسير بديل لظواهر يمكن فحص أسبابها وتشخيصها بوسائل علمية.

تنقل المدرسة قدرًا كبيرًا من المعرفة العلمية، لكنها لا تجعل الثقافة التي يأتي بها المتعلم من الأسرة والحي والمجتمع موضوعًا منتظمًا للمقارنة والفحص. يتعلم التلميذ في درس العلوم أن الظاهرة تحتاج إلى ملاحظة وفرضية ودليل، لكنه لا يُطلب منه بالقدر نفسه أن يقارن بين تفسير مرض بالعين وتفسير طبي، أو بين تفسير اضطراب بالجن وتفسير نفسي أو عصبي، أو بين الحكم على الطعام بأنه حلال والحكم عليه بأنه صحي. وهكذا يتشكل فصل معرفي بين عالمين متجاورين. داخل القسم يوجد العلم بقواعده وإجراءاته؛ وخارج القسم توجد الثقافة اليومية بمسلماتها وتفسيراتها التي لم تدخل المختبر الفكري. يستطيع التلميذ أن يتفوق في مادة علمية، بل أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا، مع احتفاظه بنظام سببي يومي لم يتعرض للمساءلة المنهجية قط. وهذه ليست مفارقة في الذكاء، بل نتيجة للفصل بين “محتوى العلم” و”نمط التفكير العلمي”. فالمعرفة العلمية تعني امتلاك الحقائق والنظريات والقوانين، بينما يعني نمط التفكير العلمي تبنّي طريقة منهجية في النظر إلى الظواهر تقوم على طلب الدليل، والبحث عن الأسباب القابلة للملاحظة، ومقارنة الفرضيات، واختبار الادعاءات، والانتباه إلى الأدلة المضادة، والاستعداد لمراجعة الرأي متى تغيرت المعطيات. وحين يترسخ هذا النمط في الذهن، يتحول العلم من مادة دراسية للنجاح في الامتحان إلى طريقة في فهم العالم والتعامل معه.

السرد بوصفه طريقة في تنظيم المعرفة

لا تُقدَّم العناصر الدينية في التنشئة عادة بلغة تحليلية محايدة، بل داخل خطاب وجداني كثيف يستعمل الحكاية والموعظة، والصورة البلاغية، والترغيب، والترهيب. ولهذا يرتبط تلقّيها بالعاطفة والخيال بقدر ما يرتبط بالفهم. وهذه ليست خاصية سلبية في ذاتها؛ فالسرد من أقدم الأدوات الإنسانية لنقل الخبرة والقيم والذاكرة. غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول قوة الحكاية إلى بديل عن قوة الدليل. قد تصبح القصة، في هذا السياق، قالبًا مفضّلًا للإقناع: تُروى الوقائع وكأنها برهان على حكم عام. ويختلف الاستدلال السردي هنا عن الاستدلال التحليلي؛ فالأول يستمد قوته من تماسك الحكاية وتأثيرها الوجداني والعبرة التي تقود إليها، أما الثاني فيبدأ بتعريف المفاهيم وتصنيف الوقائع وتفكيكها إلى متغيرات والمقارنة بينها والتمييز بين الارتباط والسببية، ثم بناء الاستنتاج على أدلة قابلة للفحص. والحكاية تستطيع أن توضّح الحجة وتقرّبها، لكنها لا تستطيع وحدها أن تثبت علاقة سببية عامة. ويمكن القول إن أنظمة المعرفة لا تعكس الواقع كما هو، بل تمنحنا قوالب تاريخية لتنظيمه وجعله قابلًا للفهم. وقد أسهم السرد الديني المقدس في ترسيخ تصور خطي للزمن: خلق وبداية، ثم مسار تتعاقب فيه الأحداث، ثم نهاية وقيامة وحساب. ومن هذا النموذج يميل الإنسان إلى إسقاط بنية سردية على التاريخ وعلى حياته الشخصية: يبحث عن بداية وحبكة وذروة وخاتمة تمنح الأحداث السابقة معناها، وتربطها ضمن قصة متماسكة. في المقابل لا يفترض التفكير التحليلي أن للظاهرة حبكة أو غاية؛ فقد تكون الوقائع متشظية، والنتائج مفتوحة، والأسباب متعددة ومتداخلة. ومن هنا تصبح التربية العلمية أيضًا تدريبًا على مقاومة إغراء القصة الكاملة عندما تكون الأدلة ناقصة أو الواقع أكثر تعقيدًا من الحكاية. يمكن أن يتعايش في الوعي نمطان للمعرفة: سرديّ وجداني يمنحنا المعنى، ومنطقيّ تجريبي نبحث من خلاله عن الأدلة، ويكمن النضج المعرفي في معرفة حدود كل منهما وعدم استخدام أحدهما للإجابة عن أسئلة الآخر. لذلك لا يكفي تدريس المعارف العلمية، بل ينبغي ترسيخ نمط تفكير علمي يمتد إلى الحياة اليومية ويوجّه فحص الادعاءات واتخاذ القرارات.

التفكير النقدي ومقاومة الخطاب اليقيني المغلق

تكمن إحدى الوظائف الأساسية للتفكير العلمي في أنه لا يضيف معارف جديدة فحسب، بل يعيد تشكيل علاقة العقل باليقين. فهو يدرّب الفرد على التعامل مع المعرفة بوصفها قابلة للمراجعة، وعلى التمييز بين ما نعرفه بدرجة عالية من الثقة وما لا يزال فرضية أو احتمالًا أو تفسيرًا مؤقتًا. وبهذا المعنى، يعمل التفكير العلمي على نسبنة الأحكام، لا بمعنى نفي الحقيقة، بل بمعنى ربطها دائمًا بدرجة الدليل المتاح وحدود ما يمكن إثباته. هذه الممارسة تهزّ اليقينيات المغلقة لأنها لا تقبل الحكم بوصفه نهائيًا لمجرد قوة الاعتقاد به، بل تربط درجة الثقة فيه بقوة الأدلة التي تسنده، وتُبقيه قابلًا للمراجعة متى ظهرت معطيات جديدة. ومن ثم تمنح العقل نوعًا من المناعة المعرفية ضد الخطابات التي تدّعي امتلاك تفسير كامل ونهائي للعالم، لأنها تعوده على التردد المشروع، وعلى احتمال التعقيد، وعلى الفصل بين قوة الاقتناع وقوة البرهان. ولذلك فالثقافة العلمية لا تُقاس فقط بكمية المعلومات التي يمتلكها الفرد، بل بقدرته على تأجيل الحكم، واختبار الادعاءات، وتقدير درجات اليقين، وقبول حدود المعرفة. وحين يترسخ هذا النمط من التفكير، يصبح أقل قابلية للانغلاق داخل تصورات شاملة لا تسمح بالسؤال أو المراجعة، وأكثر قدرة على التعامل مع الواقع باعتباره مركبًا واحتماليًا وقابلًا للمراجعة كلما ظهرت أدلة أقوى.

إخراج العقل العلمي من القسم

ليست المجتمعات منقسمة ببساطة إلى مجتمعات عقلانية وأخرى يغلب عليها التفسير غير التجريبي، كما أن الإنسان لا يعيش داخل منظومة معرفية واحدة؛ فنحن ننتقل باستمرار بين الإيمان والقيمة والرمز، والتجربة، والذاكرة، والسرد. لذلك لا ينبغي أن يكون هدف التعليم الحديث القضاء على المعتقدات غير التجريبية، بل منع أي مصفاة واحدة من احتكار قراءة الواقع كله. فالمشكلة ليست دائمًا في مضمون ما نؤمن به، وإنما في نوع الأداة التي نستعملها حين نحاول تفسير ظاهرة قابلة للفحص أو اتخاذ قرار بشأنها. وتنجح المدرسة حين يتحول العلم من معرفة محفوظة إلى نمط في التفكير: حين لا يكتفي المتعلم بمعرفة أن للمرض أسبابًا بيولوجية، بل يطلب الدليل عندما يُنسب مرض محدد إلى السحر؛ وحين يدرك أن الحكم الشرعي على الطعام لا يساوي حكمًا على قيمته الصحية؛ وحين لا يحفظ مفهوم السببية فقط، بل يقاوم تحويل المصادفة إلى سبب؛ وحين لا يتلقى القصة بوصفها برهانًا لمجرد قوتها التأثيرية، بل يميز بين العبرة والسرد من جهة، والإثبات من جهة أخرى. لهذا فإن الاختبار الحقيقي لنجاح المدرسة لا يقع داخل ورقة الامتحان، بل خارجها: في العيادة، والسوق، والبيت، وفي تفسير النجاح والفشل، وفي مواجهة الإشاعة، وفي التعامل مع أي خطاب يَعِد بتفسير العالم كله بجواب واحد. ليست المشكلة أن المدرسة لم تُدخل العلم إلى القسم؛ لقد فَعَلت ذلك منذ زمن. المشكلة أنها لم تُخرج العقل العلمي منه بعد.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد