فرانسيسكو دي توريس رئيس جمعية SOCIAT. أستاذ في جامعة UNED. :ترجمة صفاء ايت حوسة
لا يبدأ الحرفي المغربي الماهر عمله —على غرار النحات الكلاسيكي— بكتلة متجانسة من الرخام، بل بمئات القطع المنفصلة التي تتميز كل بشكل ولون ووظيفة خاصة بها.
وإذا وُضعت قطعة واحدة في ؛ غير موضعها الصحيح منها ، أو إذا لم تكن قوة الضغط المطبقة أثناء التجميع دقيقة، فإن الهيكل بأكمله يصبح عرضةً للتصدع ناهيك عن الأنماط المعقدة التي يزخر بها كل جزء من التصميم —من أشكال نجمية وعبارات وجمل متتابعة— والتي رُتّبت مسافاتها ووُصلت ببعضها وفق حسابات رياضية دقيقة للغاية، وبدقة متناهية تُقاس بالمليمتر.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج منطقة مضيق جبل طارق إلى ذلك الحرفي الماهر؛ فـ “الفسيفساء” الإقليمية المشتركة للمنطقة —التي تضم إسبانيا والمغرب والبرتغال وجبل طارق— تتشكل بفعل التحالفات القائمة بين هذه الأطراف وعناصر دولية بارزة ترتبط بجهات فاعلة أخرى، وذلك كله في ظل تعقيدات الحضارات الحديثة الكبرى.
على غرار فن “الزليج” —حيث تُعد كل قطعة بلاط ركيزةً أساسيةً لدعم القطعة التي تليها— تعتمد السياسة الخارجية المغربية على مبدأ الترابط المطلق؛ إذ إن إضعاف حلقة واحدة قد يؤدي إلى انهيار الهيكل الأمني للمنطقة (كما تجلى بوضوح في أغسطس 2026) وتقويض الاستقرار الداخلي للبلاد، الذي ثبت أنه يرتكز على محور من الترابطات الاستراتيجية مع الحلفاء التقليديين.
ومما يزيد من سوء حظ الحرفي، أن “عقيدة الفسيفساء” هذه —القائمة على التجزئة والبراعة الفنية المتناظرة— قد تجذب انتباه الأعداء (والحلفاء على حد سواء، وهو أمر بالغ الأهمية)؛ إذ قد يسعون لاستغلال تلك الشقوق الهيكلية ذاتها التي من شأنها إسقاط الدولة عبر “أضعف” قطعها.
وأمام هذا الواقع، كان لا بد للاستراتيجية أن تتحول نحو ما يُعرف بـ “المرونة الهندسية”: أي توزيع البنية التحتية، وتنويع شبكات التواصل الاجتماعي، واستغلال القوة الناعمة التي يتمتع بها “المؤثرون” كدرع عالمي ضد الهجمات، بما في ذلك تلك التي يشنها قراصنة مجهولون.
وتتداخل في مخيلة الوزراء الإسبان تصريحاتٌ تبرئ ساحة المغرب وتوجه أصابع الاتهام في المقابل نحو حركة دولية تنتمي لليمين المتطرف، وروسيا، وربما أطراف أخرى لا يعلمها إلا الله. إن المشهد برمته يبعث على القلق وسط ضبابية وسائل التواصل الاجتماعي وغموض كيان “الجبروت” (Jabaroot) المثير للريبة. كما يمثل هذا الأمر برمته مشهداً درامياً في إسبانيا، يتزامن مع غرق الشركة -التي تتخذ من العاصمة مقراً لها- في مستنقع من الشبهات والفضائح القانونية؛ مما يثير تساؤلات تتجاوز حدود الشك المعقول الذي يفصل بين مجرد سوء الإدارة وبين سوء النية المتعمد.
لا تكمن الصعوبة في الحفاظ على التوازن فحسب، بل في دقة قص القطع وتشكيلها. وعلى غرار الفن الأندلسي -الذي يتطلب من الحرفي يداً ثابتة لضمان تلاحم الأنماط دون فواصل ظاهرة- يتعين على الدبلوماسيين المغاربة الموازنة بدقة متناهية بين كافة التصريحات والتحركات؛ فأي خطأ في التقدير، أو اتخاذ موقف عدائي مفرط تجاه أوروبا، أو التراجع المتسرع عن الالتزامات تجاه القواعد الشعبية، من شأنه أن يزعزع استقرار المشهد بأكمله، لا سيما وأن الانتخابات تلوح في الأفق.
لقد استثمرت الرباط في مجالات عدة تشمل المؤسسات والسياحة والثقافة والأعمال والفنون، غير أنها باتت تستثمر اليوم أيضاً في صياغة السرديات الإعلامية؛ إذ تعمل على تعزيز التغطية الصحفية الرقمية لترسيخ صورة المملكة كمركز تجاري آمن، ووجهة سياحية عالية الجودة، وبيئة تنعم بأمن منضبط وسلام اجتماعي آخذ في الترسخ.
لقد حان الوقت لخوض معركة حول التموضع الدبلوماسي الأحادي الجانب، وإلا فإن البديل هو التعرض للسحق جراء خطأ جسيم في استشراف المستقبل. إذ يتعين على مناطق مثل سبتة ومليلية وجبل طارق -وغيرها من الكيانات الشاذة التي تعود إلى العصور الوسطى، على غرار أندورا وهونغ كونغ وسنغافورة- أن تتوصل إلى وضع اجتماعي-اقتصادي خاص يعزز إما استمرار وجودها أو استقلالها التام، وذلك استناداً حصراً إلى مؤشرات اجتماعية واقتصادية. وفي هذا السياق، نطرح هذه المناطق كمحركات للاستقلال ونماذج لمناطق تجارية خاصة تهدف إلى التنمية الإقليمية، مستفيدةً من مواقعها الفريدة عند ملتقى حضارتين أو أكثر؛ وهي حضارات يمكن أن تزداد ثراءً بفضل التاريخ والعلاقات متعددة الأطراف.
في عالمنا المعاصر، لا تزال أقاليم عديدة للغاية محل نزاع — ويُعد الوضع في غزة مثالاً مأساوياً صارخاً على ذلك — وذلك حتى في ظل مشهد بيروقراطي حديث يضم أكثر من مائة مؤسسة أُنشئت للحد من الحروب وضبطها، بدءاً من الأمم المتحدة ووصولاً إلى وكالات الأمن والدفاع والاستخبارات الإقليمية.
وفي ضوء ذلك، نُذكّر الأطراف السياسية المعنية بأن الدبلوماسية هي الرابط المتين الذي يجمع بانسجام قطع فسيفساء “الزليج” الفردية التي تصل بين ضفتي المضيق.
وعليه، فإن جمال “الزليج” لا يقتصر على الجانب البصري فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب البنيوي أيضا.