انتخابات ساكسونيا-أنهالت: ألمانيا أمام محك اليمين

ريتاج بريس: إعداد صفاء ايت حوسة 

ليست كل انتخابات إقليمية في ألمانيا مجرد شأن محلي. بعضها يتحول إلى مرآة للمشهد السياسي بأكمله، وهذا تحديداً ما يجعل انتخابات ساكسونيا-أنهالت، المقررة في السادس من شتنبر، محط أنظار تتجاوز حدود الولاية الواقعة في شرق البلاد.

فالاقتراع يأتي في لحظة سياسية دقيقة، يتقدم فيها حزب «البديل من أجل  ألمانيا» (AfD) بقوة في استطلاعات الرأي، ويقف للمرة الأولى أمام

احتمال الوصول إلى السلطة في إحدى الولايات الألمانية منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية. وتشير أحدث الاستطلاعات إلى حصول الحزب على أكثر من 40 في المئة من نوايا التصويت، متقدماً بفارق كبير على الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، الذي يقوده في الولاية رئيس الحكومة الحالي سفين شولزه.

هنا تتجاوز أهمية الانتخابات سؤال الفائز والخاسر. فالمطروح أمام ألمانيا هو سؤال أكبر: إلى أي مدى أصبح اليمين، وبالأخص اليمين المتشدد، قادراً على إعادة تشكيل الخريطة الحزبية والسياسية للبلاد؟

انقلاب في ميزان القوى

تكشف مقارنة المشهد الحالي بنتائج انتخابات 2021 عن حجم التحول.

ففي انتخابات يونيو 2021، حقق CDU فوزاً واضحاً بحصوله على 37.1 في المئة من الأصوات، متقدماً بفارق كبير على AfD الذي حصل على 20.8 في المئة. وحصل حزب اليسار على 11 في المئة، والحزب الاشتراكي الديمقراطي على 8.4 في المئة، بينما تجاوز كل من الخضر والحزب الديمقراطي الحر عتبة الخمسة في المئة ودخلا البرلمان.

بعد خمس سنوات، تبدو الصورة مختلفة جذرياً.

فإذا تحولت أرقام الاستطلاعات الحالية إلى نتائج فعلية، سيكون AfD قد ضاعف تقريباً حصته مقارنة بانتخابات 2021، بينما يتراجع الحزب الديمقراطي المسيحي من موقع القوة المهيمنة إلى المركز الثاني.

وهذا التحول لا يتعلق بحزب واحد فقط، بل يعكس تآكل هيمنة الأحزاب التقليدية، واتساع المساحة التي تشغلها القوى التي تقدم نفسها باعتبارها بديلاً عن النظام السياسي القائم.

.. من الاحتجاج إلى محاولة الحكم

من موقعه كحزب معارض  البديل من أجل ألمانيا يستطيع توجيه الانتقادات إلى الأحزاب التقليدية من دون تحمل مسؤولية إدارة السلطة.

لكن انتخابات ساكسونيا-أنهالت تضع الحزب أمام اختبار مختلف: هل يستطيع الانتقال من الاحتجاج إلى الحكم؟

ويقود الحملة الانتخابية للحزب أولريش زيغموند، الذي يركز خطابه على الهجرة والهوية الوطنية وانتقاد سياسات الحكومة والمؤسسات السياسية التقليدية. ويأمل الحزب أن تكون ساكسونيا-أنهالت نقطة تحول تمكنه من تشكيل أول حكومة ولاية بقيادته.

غير أن الفوز الانتخابي لا يعني بالضرورة الوصول إلى السلطة.

مما يعني أن حزب البديل من أجل ألمانيا إن لم يتوصل لتوافق مع الأحزاب التقليدية سيجد صعوبة بالغة إن لم يحصل على أغلبية مطلقة.

وهنا تظهر المفارقة: يمكن أن يكون الحزب الأقوى انتخابياً، لكنه قد يجد نفسه نفسه عاجزاً عن الحكم بسبب غياب الشركاء السياسيين.

«جدار الحماية» أمام اليمين

لسنوات، حافظت الأحزاب الألمانية الرئيسية على ما يُعرف سياسياً بـ«جدار الحماية» أمام اليمين المتطرف، أي رفض التعاون الحكومي مع AfD.

لكن تقدم الحزب في استطلاعات الرأي يضع هذا المبدأ أمام اختبار جديد.

فكلما ارتفعت شعبيته ، أصبح من الصعب على الأحزاب الأخرى تجاهله باعتباره قوة هامشية فإن أي تعاون سياسي مباشر معه يمكن أن يمثل تحولاً كبيراً في الثقافة السياسية الألمانية بعد الحرب.

ولهذا تبدو ساكسونيا-أنهالت مختبراً لهذا التناقض: كيف يمكن للأحزاب أن تحترم نتيجة انتخابية قوية لحزب ترفض في الوقت ذاته التعاون معه؟

أزمة الأحزاب التقليدية

صعود  بديل من أجل ألمانيا لا يفسر وحده التحولات الجارية. فهناك أيضاً أزمة ثقة تواجه الأحزاب التقليدية.

ويتداخل في ذلك عدد من الملفات، من الاقتصاد والهجرة إلى الطاقة والخدمات العامة، فضلاً عن الاستياء من أداء الحكومة الاتحادية برئاسة فريدريش ميرتس.

وتأتي انتخابات ساكسونيا-أنهالت في سياق أوسع، إذ تشهد ألمانيا خلال شتنبر انتخابات إقليمية أخرى، ما يجعل نتائج الولاية مؤشراً مهماً على المزاج السياسي في البلاد وعلى قدرة ائتلاف ميرتس على الصمود أمام تقدم اليمين.

لن تقرأ نتائج الانتخابات كتغيير ولاية حكومة محلية ، أو إكتساح بديل من أجل ألمانيا فقط بل هي رسالة للأحزاب التقليدية لخسارة شريحة هامة من المنتخبين و تغيرات في زوايا الرؤى من جديد.

شرق ألمانيا.. خزان انتخابي لليمين؟

لا يمكن فهم صعود بديل من أجل دون فهم خصوصية شرق ألمانيا.

فالمناطق التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية سابقاً شهدت خلال العقود الماضية تحولات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية عميقة. وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على إعادة توحيد البلاد، لا تزال الفوارق بين الشرق والغرب حاضرة في النقاش السياسي.

يستفيد من مشاعر مرتبطة بالتهميش وعدم الرضا عن النخب السياسية، إلى جانب القضايا التي يحتلها في صدارة خطابه، وفي مقدمتها الهجرة والهوية والأمن.

لكن اختزال ظاهرة التصويت للحزب في العامل الاقتصادي وحده سيكون تبسيطاً. فهناك أيضاً عوامل ثقافية وسياسية، فضلاً عن رغبة جزء من الناخبين في معاقبة الأحزاب التقليدية وإرسال رسالة احتجاج إلى برلين.

حين تصبح الانتخابات المحلية قضية وطنية

قد يبدو غريباً أن تحظى انتخابات برلمان ولاية بهذا الاهتمام الوطني والدولي، لكن السبب واضح: ساكسونيا-أنهالت قد تكون أول ولاية ألمانية تقودها حكومة يهيمن عليها حزب من اليمين المتطرف.

وفي حال تحقق ذلك، ستكون التداعيات أكبر من حدود الولاية. فالحكومة المحلية ستكتسب نفوذاً داخل النظام الاتحادي الألماني، بما في ذلك تمثيل الولاية في مجلس الولايات «البوندسرات»، الأمر الذي يمنح التجربة بعداً وطنياً إضافياً.

كما أن نجاح  حزب بديل من أجل ألمانيا

في الوصول إلى السلطة قد يشجع الحزب على تقديم التجربة باعتبارها دليلاً على قدرته على الانتقال من المعارضة إلى إدارة المؤسسات، وهي خطوة يمكن أن تؤثر في حسابات الانتخابات المقبلة على مستوى الولايات والاتحاد.

 

الديمقراطية أمام امتحان اليمين

لا تكمن خطورة المشهد بالضرورة في مجرد حصول حزب يميني على نسبة مرتفعة من الأصوات. فالانتخابات الحرة تسمح للناخبين بالتعبير عن مواقفهم، والديمقراطية تقوم أساساً على احترام نتائج صناديق الاقتراع.

لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج.

فهل تستطيع الأحزاب التقليدية تشكيل حكومة مستقرة دون التعاون مع بديل من أجلألمانيا؟ وهل تستطيع في الوقت نفسه تقديم إجابات سياسية تقنع الناخبين الذين انتقلوا إلى اليمين بالعودة إلى الوسط السياسي؟

هذه الأسئلة هي جوهر المحك الديمقراطي.

فالديمقراطية الألمانية لا تُختبر فقط في قدرتها على منع اليمين من الوصول إلى السلطة، وإنما أيضاً في قدرتها على معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي ساعدت على صعوده.

ما بعد صناديق الاقتراع

إذا حافظ بديل من أجل ألمانيا

على تقدمه الكبير، فستكون انتخابات ساكسونيا-أنهالت لحظة فاصلة في السياسة الألمانية.

 

أما إذا تصدر الحزب دون أن يتمكن من تشكيل حكومة، فستبدأ معركة أخرى أكثر تعقيداً: معركة الائتلافات والأقليات البرلمانية، وقد تضطر الأحزاب التقليدية إلى البحث عن ترتيبات سياسية غير مألوفة.

وفي كلتا الحالتين، ستكشف الانتخابات شيئاً مهماً عن ألمانيا الجديدة: لم يعد السؤال متعلقاً فقط بمن يحكم برلين، وإنما بمن يملك القدرة على إعادة تشكيل الخريطة السياسية في الولايات الألمانية.

ولهذا فإن ساكسونيا-أنهالت لا تنتخب برلماناً محلياً فحسب. إنها تضع الأحزاب التقليدية، واليمين الصاعد، والنظام السياسي الألماني بأكمله أمام اختبار حقيقي.

فالسؤال الذي ستطرحه صناديق الاقتراع في السادس من شتنبر ليس فقط: من سيفوز؟ بل: إلى أي مدى يستطيع اليمين تغيير ألمانيا؟

 

 

.

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد