شتاينماير والهجرة: رسالة في توقيت انتخابي حساس بألمانيا

إعداد صفاء ايت حوسة صحافية متدربة

قبل يوم من توجه الناخبين في ولاية سكسونيا-أنهالت شرق ألمانيا إلى صناديق الاقتراع، يبرز ملف الهجرة مجددًا كأحد أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي الألماني، فيما يواصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) تحقيق نتائج مرتفعة في استطلاعات الرأي.

وفي خضم هذا الجدل، دعا الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير إلى التعامل مع الهجرة باعتبارها واقعًا ديموغرافيًا واقتصاديًا لا تستطيع ألمانيا تجاهله، محذرًا في الوقت نفسه من تحويل أصول المواطنين إلى معيار للحكم على انتمائهم إلى البلاد.

«ألمانيا تحتاج إلى الهجرة»

وخلال كلمة ألقاها في برلين في 25 أغسطس/آب، قال شتاينماير إن ألمانيا تعتمد على المهاجرين في قطاعات حيوية من اقتصادها ونظامها الاجتماعي، مشيرًا بصورة خاصة إلى المستشفيات ومؤسسات الرعاية والتمريض.

ويأتي هذا الموقف في وقت تواجه فيه ألمانيا نقصًا في العمالة في عدد من القطاعات، بينما تتزايد الضغوط السياسية المطالبة بتشديد سياسة الهجرة واللجوء.

لكن الرئيس الألماني لم يتجاهل في حديثه التحديات التي ترافق الهجرة. فقد أقر بوجود مخاوف اجتماعية مرتبطة بقدرة الدولة على إدارة أعداد الوافدين وضمان اندماجهم، داعيًا إلى أخذ هذه المخاوف على محمل الجد ومعالجتها سياسيًا.

وبذلك، يطرح شتاينماير مقاربة تقوم على فكرتين متوازيتين: الاعتراف بالحاجة الاقتصادية والاجتماعية إلى الهجرة، وعدم تجاهل المشكلات التي يمكن أن ترافقها.

المواطنة فوق الأصل

وكانت مسألة المواطنة والانتماء من أبرز محاور خطاب شتاينماير. فقد شدد على أن المواطنين الألمان الذين حصلوا على الجنسية بالتجنس ليسوا «مواطنين من الدرجة الثانية»، مؤكدًا أن الدستور لا يميز بينهم وبين الألمان الذين حصلوا على الجنسية منذ الولادة.

ويرفض شتاينماير بذلك تصورًا يقوم على تعريف الانتماء الألماني من خلال الأصل أو الخلفية العائلية، ويدافع بدلًا من ذلك عن مفهوم دستوري للمواطنة يقوم على المساواة أمام القانون.

وقال إن المجتمع الألماني لا ينبغي أن يُقسم إلى فئات من المواطنين وفقًا لأصولهم، في تحذير من تنامي خطاب يربط الانتماء إلى ألمانيا بالعرق أو النسب.

الهجرة في قلب انتخابات سكسونيا-أنهالت

تكتسب تصريحات الرئيس الألماني أهمية خاصة بسبب توقيتها. فانتخابات سكسونيا-أنهالت، المقررة في 6 سبتمبر/أيلول، تأتي في ظل تقدم واضح لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في استطلاعات الرأي.

وتشير الاستطلاعات الأخيرة إلى حصول الحزب على أكثر من 40% من نوايا التصويت، متقدمًا على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، الذي يتولى حاليًا رئاسة حكومة الولاية.

وتحتل قضايا الهجرة واللجوء والأمن والهوية موقعًا متقدمًا في خطاب AfD، الذي يدعو إلى سياسة أكثر تشددًا تجاه الهجرة والمهاجرين.

ومع ذلك، فإن تقدم الحزب في استطلاعات الرأي لا يعني بالضرورة قدرته على تشكيل الحكومة. فالأحزاب الرئيسية في ألمانيا تستبعد حتى الآن تشكيل ائتلافات حكومية معه، ما يجعل شكل التحالفات بعد الانتخابات مسألة أساسية.

رسالة غير مباشرة إلى اليمين المتشدد

لم يذكر شتاينماير حزب «البديل من أجل ألمانيا» بالاسم في خطابه، ولذلك سيكون من غير الدقيق وصف تصريحاته بأنها هجوم مباشر على الحزب.

لكن توقيت التصريحات ومضمونها يجعلانها جزءًا من النقاش السياسي الأوسع حول الهجرة والهوية، وهما من القضايا التي يعتمد عليها الحزب في تعبئة قاعدته الانتخابية.

فبينما يركز AfD على تشديد القيود على الهجرة وإعادة تعريف مفهوم الانتماء الوطني، يطرح شتاينماير تصورًا مختلفًا يقوم على أن الحصول على الجنسية والمشاركة في المجتمع واحترام الدستور تجعل من المواطن الألماني جزءًا كاملًا من الدولة، بغض النظر عن أصوله.

بين المخاوف والاندماج

ولا تبدو رسالة شتاينماير موجهة فقط إلى المهاجرين أو المواطنين من أصول مهاجرة، بل أيضًا إلى الأغلبية الألمانية التي تشعر بقلق إزاء تأثير الهجرة على الخدمات العامة والسكن والمدارس والأمن.

فبالنسبة إلى الرئيس الألماني، تجاهل هذه المخاوف قد يؤدي إلى فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، لكن الاستجابة لها لا ينبغي أن تكون عبر تقسيم المجتمع أو التشكيك في انتماء مواطنين يحملون الجنسية الألمانية.

وهنا تكمن المعضلة التي تواجه الأحزاب التقليدية في ألمانيا: كيف يمكن الاعتراف بالمشكلات المرتبطة بالهجرة والاندماج، من دون تبني الخطاب السياسي لليمين المتشدد؟

انتخابات تتجاوز حدود الولاية

ولذلك، فإن انتخابات سكسونيا-أنهالت لا تحظى بالاهتمام بسبب نتائجها المحلية فحسب. فالصعود القوي لـAfD في ولاية من ولايات شرق ألمانيا قد يشكل اختبارًا جديدًا للأحزاب التقليدية، كما قد يعيد إشعال النقاش الوطني حول الهجرة والهوية ومستقبل «جدار العزل» السياسي المفروض على الحزب.

أما شتاينماير، فيحاول من موقعه كرئيس للجمهورية، وهو منصب غير حزبي إلى حد كبير، التأكيد على أن النقاش حول الهجرة لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول من هو «ألماني» ومن ليس كذلك.

وقبل ساعات من فتح صناديق الاقتراع، يبقى السؤال السياسي مفتوحًا: هل ستنعكس المخاوف المرتبطة بالهجرة في صناديق الاقتراع لصالح اليمين المتشدد، أم ستتمكن الأحزاب التقليدية من تقديم إجابات تقنع الناخبين بأنها قادرة على إدارة الهجرة والاندماج من دون التخلي عن مبدأ المساواة؟

نتيجة الأحد في سكسونيا-أنهالت ستقدم جزءًا من الإجابة، لكنها لن تنهي الجدل الألماني حول الهجرة.

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد