بقلم الناقدة د. أسماء المعلومي
تندرج رواية “تيه في رحلة الحياة” للكاتب “طاهري نور الدين” ضمن الأدب الواقعي الذي يعكس تجليات الهموم الاجتماعية، مع استقطاب معاناة الإنسان في علاقته بالظروف الاقتصادية والثقافية التي تحاصره. ولم يستنسخ الكاتب تناقضات الحياة بقدر ما ساقها في قالب جمالي سينمائي، أثثت فضاءاته شخصيات تعتمل بإكراهات نفسية وفكرية.
في إطار آخر، يضعنا سياق الأنساق السردية في لجة زقاق يقطنه “محمد”، المهاجر السري الذي سعى إلى اقتحام عالم أفضل، فتشكل بذلك بطلا إشكاليا بلغة “لوكاتش”، يبحث عن عالم مثالي في أتون واقع منحط.
إن صيغة الحكي بضمير الغائب أسعفت الكاتب على الإحاطة بمأساة “محمد” التي تنفتح منذ البدء على وحدته وفقره، فهو الكائن الذي ينطلق كل صباح للبحث عن عمل، فيجوب شوارع الضاحية الباريسية بنظرات مرهقة وملامح تحكي حكايات شوق مدفون لأرض لم يعرفها إلا في الأحلام. ويمتطي الكاتب خصوصية السرد الدينامي الذي يرسم أمامنا مشاهد بائسة، تعري الواقع الحتمي لمهاجر يرسو بباريس، فيستشعر بأنه فرد غير مرغوب فيه. إن باريس كما سيصورها الباث ليست تلك المدينة الحالمة، بل إنها مركز للصراع، تعكس تحديات قاسية مع الشرطة، ومن ثم يستهل السرد بافتتاحية درامية وتناقضات تتجلى في حقوق “محمد” كإنسان يسعى إلى البقاء والتأقلم، وبين قوانين الهجرة الصارمة التي لا ترحم.
يصف الراوي بدقة كل ما يلف البطل “محمد” من جوع وحزن، ويكون الاسترجاع السردي تقنية تؤسس للتأرجح بين الآني والماضي، ولحظات الاستعادة هذه تمتد شذرات محكيها على طول مجريات الواقع، بحيث يتجاوز الراوي السرد التقليدي ليغوص في لحظات مفصلية تشرح صفحات استعادة أحداث ستغير حياة البطل “محمد” رأسا على عقب، خاصة عندما يفكر في الهجرة السرية عبر القوارب في خضم بحر منفتح على المجهول.
ويرصد السرد المرآوي تشظي شروخ ذوات تمثلت في “محمد” ورفاقه الذين سيواجهون القلق والظلام المخيف، ورغم الخوف من المجهول سيلج هؤلاء أجواء مفعمة بالتوتر، وسط أمواج هادرة هددت بابتلاع المغامرين، ليذكرنا هذا البطل بسانتياغو في رواية “العجوز والبحر”، فتحدي الموت والتشبث بالحياة كان يمثل خيطا نورانيا رفيعا للانتصار على الطبيعة الصاخبة، والرعد والبرق اللذين شقا السحاب بصوتهما الساطع المشحون بالكهرباء، لتكتب النجاة لأشخاص خاطروا أمام أهوال جعلتهم يقدرون قيمة الحياة.
وبعد النجاة، سيقطع البطل مسافات طويلة على الأقدام حتى الوصول إلى الجزيرة الخضراء، ليتفرق الشباب الذين كانوا معه، لأن لكل واحد منهم خطته بعد الوصول إلى ما وراء البحر، ولينتدب “محمد” له مكانا ظليلا متجنبا افتضاح أمره لدى السلطات الإسبانية.
ويشكل السرد الاسترجاعي نواة مضيئة لحياة “محمد”، بحيث يقتحم في كل حين غبش الماضي، فها هو البطل يهاتف أمه القلقة التي لا تعرف أن ابنها امتطى صهوة الهجرة السرية، فيطمئنها، وينغمر في العمل بحقول الفراولة، وهو عمل شاق يدفع “محمد” إلى استحمال شظف العيش، يحدوه الأمل والإصرار للمضي قدما. ويكون اللقاء الفجائي بشاب مغربي لديه حنكة في السفر فرصة ستتيح لـ”محمد” الانتقال من الجزيرة الخضراء إلى باريس. كان “محمد” ينتظر أن تكون الحياة هناك بعاصمة الأنوار أفضل، وفي أوج اغترابه، وبحثه عن مأوى، كان الأفق ينشق بلهيب فجر جديد.
وبباريس ستظهر شخصية “مصطفى” المغربي الذي سينتشل “محمد” من الضياع، حيث سيعثر له على عمل معه بطريقة غير قانونية، مجازفا بغسل السيارات بشكل سري، وهو وضع يشعل في البطل النقمة حيال وطنه الأصلي الذي لم يوفر لأبنائه ظروفا حسنة.
وتظل العودة إلى مخزون الذكريات سمة يسترجع بها “محمد” عبر وسيطها المدرسة الفرعية ببلدته التي تتصف بالاهتراء، ثم مساعدته لوالده في الفلاحة البورية بشكل اضطراري، الأمر الذي أثر على دراسته في السادس ابتدائي، فطُرد من التعليم، مما اضطره إلى رعي الأغنام من أجل كسب لقمة العيش. وستسوء الظروف أكثر حين يصبح الأب “إبراهيم” عاجزا عن العمل، مما زاد الطين بلة، خاصة بعد توالي مواسم الجفاف، ونفوق البهائم، وذبول الأشجار، ووفاة أخيه “يوسف”، الطفل الصغير، دون تشخيص حقيقي لمرضه.
ومع تقهقر الوضع الأسري، سيفكر الأب “إبراهيم” في تجارة البنزين التي تمثل شريان الحياة للكثير من الأسر في المنطقة الشرقية من البلاد، لكنه سيتعرض لرصاص سيجهز على أنفاسه الأخيرة.
ويبلغ “محمد” العشرين من عمره، مستندا هو وأختاه إلى والدتهما، ركيزة الدعم العاطفي والنفسي ومصدر دخل الأسرة، إلا أنه سيعيش وضعية مزرية هي التي ستدفعه إلى التفكير في الهجرة السرية، كاتما الخبر عن أمه.
ويعاود الراوي وصل الماضي بالمعيش، حيث يتواجد “محمد” بباريس، مما يسمح لتقنية التقطيع الزمني بالتخلل بين فضاءين، حيث تتلاشى الذكريات بالمغرب لتكون بإزاء الانتقال إلى باريس، ويتصاعد إحساس الغربة لندرك دلالاته الانزياحية عبر ذاكرة “محمد”، حيث شظايا الهامش تبتلعه في جوفها، فيتجرع مرارة التيه.
ويكون إلحاح “محمد” على التيه لازمة اضطرارية وإشارة إلى جرح خبيء لدى شباب فقد كل أمل في العيش الكريم ببلده، ومن ثم لاح له الهروب من زخم الفاجعة كحل أمثل للنجاة، حتى لو كان الصراع مع المجهول مجازفة لا يمكن تقدير عواقبها.
من جهة مغايرة، ينسكب السرد الثوري المتمرد في ظل التأزيم المطرد للنص الروائي، حيث ستكون باريس ليست نعمة فقط، بل نقمة أيضا، تجلت في إصابة “محمد” بتسمم في المعدة، إذ كان هذا الوضع الدرامي فرصة ناجعة للاطلاع على مستوى الدعم والتضامن الذي سيقدم للبطل في بلد الأنوار، لتلوح أمامه ذكرى “يوسف”، الأخ الأصغر الذي مات نتيجة الإهمال الطبي.
إن راهنية زوبعة انتهاك الواقع الملتبس ما هي إلا حفر في جرح يتجاوز الذات، لينتهك تيمة التماهي مع الاغتراب باعتباره يجسد شعور “محمد” المنفصل عن ذاته ومحيطه، مدفوعا بانسداد أفق سمته القلق والخوف.
والبطل “محمد” يندمج في وضعيات مربكة حتى بالنسبة لمن قطعوا الأهوال من شباب وطنه ليعانقوا الحلم، على غرار معاينته لتجارة البطاقات المزيفة، وبيع جوازات السفر، والاندماج في عالم المخدرات. ورغم فاقة “محمد”، سيختار الاكتفاء بالحياة الهادئة مع صديقه “مصطفى”، الذي سيفتح عينيه في جولات سياحية على جمالية المعالم التاريخية لباريس، ويكون الجدل حول الهوية والانتماء قدر “محمد” الذي، رغم التيهان، إلا أنه يتعلق بهوى وطنه.
إن النص الروائي الذي نحن بصدد ملامسة جوهر مواضيعه المأساوية يعرف تسارع وتيرته السردية التي تحمل بين ثناياها بنية الزمن والمكان، مما يمنح مخزون الذاكرة تمثلا للصور المتحركة الحية، وهو ما نختزله في التقاء “كاترين” في مقهى بضواحي باريس، وسيول الحوارات بينهما حول محاولة فهم الفروقات والتنوع الثقافي، ومطارحة قضية العولمة وأخطارها، والتطرق إلى واقع المرأة المعاصرة، والانغمار في السياسة وتأثير الانتخابات على المهاجرين السريين، وهو ما يطالعنا بحس نقدي يبلور رؤية الأنا للآخر.
إن النص السردي مكثف من حيث التيمات وشحنة المواضيع التي يقارعها، مما يجعل من “محمد” الضحية التي تسعى إلى إعادة التوازن لعالمها من أجل استيعاب المستجدات التي يفرضها زمن العولمة، الذي قاد العالم باتجاه وتيرة سريعة تفرض عليك إما أن تكون أو لا تكون، بلغة هاملت.
لا غرو أن مساءلة العالم وفق استكشاف طقوس وعوالم أوروبا، وكل ما تحفل به من ألوان وأصوات وحركة، تنسج معضلات حول سبل الاندماج. ولعل تنامي الأحداث في نص “تيه في رحلة الحياة” يتخذ صيغة سريعة، بحيث تغلب في معظم الأحيان الأفعال الدرامية على الثبات والعطالة التي يحدثها الوصف، مما يمنح الرواية تلاوين صور بصرية ترصد حركات وسكنات “محمد”، الذي تحذوه روح استكشافية وتعطش للإحاطة بكل ما يحفل به واقع الغرب الذي يعايشه من تراجيديا.
وتتعاقب مجريات البنية السردية تباعا في نصنا الإبداعي، فمن زواج “مصطفى” صديق الغربة بـ”كاترين”، المرأة الفرنسية، إلى زواج البطل “محمد” بأختها “أليس”، وفق طقوس وتقاليد فرنسية، ووسط مجتمع الاغتراب يسعى “محمد” إلى الاستفادة من البيئة المحيطة به، فيكون تجاوز عائق اللغة فرصة مواتية للتواصل. ويخص الراوي، عموما، صفحات تلو أخرى ليعرج فيها على تيمات متعددة مثل الحب والأمومة وغيرهما، وكل ذلك يخلق توليفة من الرؤى والفروقات بين الثقافة المغربية والثقافة الغربية، علما أنهما مختلفتان.
إن “محمد” على طول مساحات الرواية يفجر إخفاقاته النفسية، لتمثل باريس بالنسبة إليه مغامرة في البحث عن الكرامة والأمل، وهو ما مكننا من النفاذ إلى خطاب يطرح معضلات المهاجرين السريين، والمخاوف والتحديات التي تواجههم.
إن البطل “محمد” يقدم نموذجا نجح في اختراق وعبور الحدود الممنوعة على أمثاله، فرسم لنا ما عاناه، دون أن يهمل اطلاعنا على ما تزخر به فرنسا من تاريخ ومتاحف وحدائق، وكل ذلك عمق ازدواجية الحضارات، وأغنى الوعي المكثف الذي تتمتع به “أليس”، زوجته الحالمة والمثقفة.
وما يفتأ السارد المتموضع خلف الأحداث يوظف تجليات مقارنة يعكسها منظور البطل “محمد”، الذي يبرز خصوصية ما هو مغربي من دين وعادات وتقاليد اجتماعية في بلده، فيسجل لحظات مغربية مفتوحة على جرح الأنا، وقضايا المفارقات بين الثقافتين المغربية والفرنسية، ليضع بديل المعايشة جسرا ضروريا لتفادي التعصب والتطرف.
وتتعزز أواصر الحياة الزوجية بين “محمد” و”أليس” بزيارتهما للمغرب، واقتحام الزوجة الفرنسية حميمية عائلة “محمد”، ومتانة علاقة البطل بأمه وأختيه.
وفي غمرة السرود المتلاحقة، يكون التوغل في الفكر الوطني للبطل الذي يرفض الفرار من الوطن الذي أجبر على مغادرته، فيفضح الوازع وراء ذلك، ليدين الفساد ويحلم بعالم يوتوبي ترتقي فيه الأمة إلى عدالة اجتماعية تجنب شبابها خوض صراع فتاك بين البحر وأمواجه المتلاطمة.
ويستقر “محمد” و”أليس” بباريس بعد رحلة إلى المغرب، زارا من خلالها مسقط رأسه وعائلته وبعض المدن الأصيلة. ومع السرود المتدفقة بتصاعد الحدث الدرامي، يحضر حمل “أليس”، وإنجابها إبراهيم، ثم موتها بمرض عضال، وبعد ذلك إصابة ابنها بفيروس كورونا ووفاته. ويكون تأزيم الحبكة ولوجا إلى أكوان سوداوية، غير أن البطل، رغم الألم، يؤكد أنه سيخوض تحديا جديدا لبناء مستقبل أفضل، لنكون أمام رحلة تيهان حقيقي في مثلث الحياة الذي يرسو على تصميم البطل “محمد” على التجديف اللامتناهي نحو بر الأمان.
تعليقات الزوار