بقلم: بوشعيب حمراوي
حين تفقد المصادفة براءتها وعذريتها
قد تكون المصادفة واردة في السياسة، كما هي واردة في الإعلام. وقد تتشابه المواقف أحيانًا دون أن يجمع بينها تنسيق أو اتفاق مسبق. لكن حين يتكرر المشهد بالكيفية نفسها، وتتقاطع الأزمنة ذاتها، وتُستدعى الملفات نفسها، وتعود المنابر ذاتها، وتُعاد صياغة الاتهامات المفضوحة نفسها كلما اقترب المغرب من محطة وطنية كبرى أو حقق مكسبًا دبلوماسيًا أو اقتصاديًا أو رياضيًا، فإن الأمر لا يعود مجرد تزامن عابر، بل يصبح ظاهرة تستحق الرصد والتحليل والتفكير.
هذا ما يعيشه المغرب خلال الأشهر الأخيرة. وعلى المغاربة أن يدركوا أن الأمر لا يعدو أن يكون مخططا لاستهداف أمن واستقرار بلدهم. فبقدر ما تتسارع وتيرة الأوراش الكبرى، وتتوسع دائرة الشراكات الدولية، وتسير المملكة في اتجاه إنهاء ملف الصحراء المغربية، وإجهاض كل مخططات الخصوم والانفصاليين والخونة. ويقترب موعد الاحتفال بعيد العرش المجيد، بقدر ما ترتفع في المقابل حدة ضجيج يسعى إلى تقديم المملكة في صورة مغايرة، عبر إعادة إحياء ملفات مزيفة قديمة، أو تضخيم وقائع معزولة، أو إنتاج روايات تُبنى في كثير من الأحيان على الانتقاء و التحوير و التأويل أكثر مما تُبنى على الإحاطة الكاملة بالوقائع و النزاهة في السرد و الحكاية و التحرير.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض النقد أو التضييق على حرية التعبير، فالمغرب ليس استثناءً من الدول التي تُناقش سياساتها العمومية وتُنتقد اختياراتها. كما أن أي دولة تحترم نفسها مطالبة بالإنصات إلى النقد الجاد والاستفادة منه. لكن هناك فرقًا واضحًا بين النقد الذي يبحث عن الإصلاح، وبين خطاب يقوم على التشهير، أو يعيد تدوير الاتهامات الباطلة في كل مرة يحقق فيها المغرب تقدمًا على أكثر من واجهة.
لقد أصبح من اللافت أن بعض المنابر والحسابات والمنصات المأجورة لا تستحضر المغرب إلا عند البحث عن مادة مثيرة للجدل، أو عند اقتراب مناسبة وطنية ذات حمولة رمزية كبيرة، أو عندما ينجح في تعزيز موقعه الإقليمي والدولي. وكأن إنجازاته لا تستحق الاهتمام، بينما تُمنح الأولوية لكل رواية يمكن أن تثير الشكوك أو تغذي الانطباعات السلبية أو تشوش على صورة المملكة في الخارج.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن هذا المحتوى لا يقتصر على نقل الأخبار أو عرض وجهات نظر مختلفة، وإنما يتجاوز ذلك في بعض الأحيان إلى صناعة سردية متكاملة، تُبنى على التكرار، واستدعاء الملفات ذاتها، وربط أحداث متفرقة بخيط واحد، بما يوحي للمتلقي بأن المغرب يعيش أزمة دائمة، وأن مؤسساته فاقدة للمصداقية، رغم أن الواقع الميداني، ومسار العلاقات الدولية، وحجم الاستثمارات، والمواقف الرسمية لعدد متزايد من الدول، تقدم صورة أكثر تعقيدًا وتوازنا
ومن حق أي متابع أن يتساءل: لماذا تتكثف هذه الحملات كلما اقترب عيد العرش؟ ولماذا تعود بعض الملفات الزائفة إلى الواجهة في اللحظة نفسها التي يحقق فيها المغرب مكاسب دبلوماسية أو اقتصادية جديدة؟ وهل نحن أمام مجرد مصادفات متكررة، أم أمام استثمار سياسي وإعلامي في توقيت محسوب؟ إنها أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالشعارات، بل بالرصد، والتحليل، ومقارنة الوقائع، وقراءة السياقات.