ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
تُعد أغنية “مولاي عبد الله” للتهامي السالمي نصًا غنائيًا شعبيًا غنيًا بالدلالات الاجتماعية والثقافية، لأنها لا تكتفي بالاحتفاء بموسم مولاي عبد الله أمغار، وإنما تقدم سردًا شبه متكامل لرحلة “الزْيارة”، بوصفها حجاًِّ إلى الولي: الانطلاق في جماعة، وعبور الطرق والقرى والمدن، والوصول إلى مجال الولي، ثم الانخراط في عالم الموسم بما يشتمل عليه من زيارة وفرجة، وتبوريدة، وحلقة، وطعام، ولقاءات اجتماعية.
يمكن قراءة الأغنية بوصفها تمثيلًا شعبيًا لما يمكن تسميته بالسياحة الدينية الموسمية؛ فالرحلة إلى الولي ليست انتقالًا دينيًا محضًا نحو مكان مقدس، وإنما تجربة اجتماعية ومجالية واحتفالية مركبة، يختلط فيها طلب البركة بالرغبة في الفرجة، والمقدس بالمتعة، والسفر باللقاء الاجتماعي. غير أن البنية الاحتفالية التي تكشف عنها الأغنية تسمح بتوسيع القراءة من خلال مفهوم “الكرنفالية” عند ميخائيل باختين. فالموسم، كما تصوره الأغنية، يمثل زمنًا استثنائيًا تتراجع فيه مؤقتًا بعض قيود الحياة اليومية، وتتسع فيه إمكانات اللقاء والفرجة، والاستهلاك، وإظهار الجسد، والرغبات. ولا يعني ذلك مطابقة الموسم المغربي بالكرنفال في سياقه التاريخي الأوروبي، وإنما توظيف مفهوم الكرنفالية باعتباره أداة لفهم التحول المؤقت في الزمن الاجتماعي، وإعادة ترتيب العلاقات والمراتب، وظهور الجماعة الشعبية في المجال العام، وتحرير بعض الرغبات التي تضبطها الحياة اليومية.
وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر إذا وضعنا الموسم داخل إيقاع المجتمع الزراعي التقليدي. فالموسم يمثل، بالنسبة إلى شرائح واسعة من سكان البادية، مناسبة تأتي في سياق انتهاء دورة من العمل الزراعي وجني المحصول. وهكذا ينتقل المجتمع مؤقتًا من زمن العمل والإنتاج إلى زمن الاحتفال والإنفاق والفرجة. ومن هنا يمكن قراءة الأغنية من خلال محاور مترابطة: الإنسان والجماعة، والمقدس وخريطة الأولياء، والمكان والخيال الشعبي، ثم الموسم باعتباره زمنًا كرنفاليًا يسمح بالفرجة وإشباع الرغبات وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية.
من زمن العمل الزراعي إلى زمن الموسم
لا يمكن فهم الموسم الذي تصفه الأغنية بمعزل عن البنية الزراعية للمجتمع الذي يحتضنه. فحياة سكان البادية محكومة إلى حد بعيد بإيقاع الفصول: الحرث، والزراعة، وانتظار المطر، والحصاد، وجمع المحصول. وداخل هذا النظام يمثل انتهاء الموسم الزراعي لحظة مهمة، إذ يخف ضغط العمل وتتوفر إمكانية الانتقال من الإنتاج إلى الاحتفال. بهذا المعنى، لا يمثل موسم مولاي عبد الله انقطاعًا اعتباطيًا عن الحياة اليومية، وإنما يأتي داخل إيقاع اجتماعي واقتصادي، يجعل الاحتفال ممكنًا بعد فترة من العمل. فالزائر يستطيع أن يغادر قريته، ويسافر، ويقيم عدة أيام، وينفق على الطعام، ويشاهد الفرجة، ويلتقي بأناس من مناطق أخرى. وتكشف الأغنية بوضوح عن هذا الانتقال من الحياة العادية إلى الزمن الاستثنائي للموسم. فالرحلة نفسها تبدأ جماعية ومصحوبة بالفرح:” مولاي عبد الله… جينا نزورك/ وكنا مجموعين […] وركبنا فرحانين”. إننا هنا أمام جماعة خرجت مؤقتًا من فضائها اليومي، ودخلت في زمن مختلف. ولهذا لا تصف الأغنية الوصول إلى الضريح وحده، بل تجعل الطريق نفسها جزءًا من التجربة: “دزنا مع طريق الولجة/ تشوف التبهيجة والفراجة”. فالفرجة لا تبدأ عند الوصول؛ إنها تبدأ منذ بداية الرحلة. وبذلك يتحول السفر إلى عملية عبور رمزية من زمن الضرورة إلى زمن المتعة، ومن العمل إلى الاحتفال، ومن المجال اليومي المحدود إلى مجال واسع للقاء والحركة والمغامرة.
الجماعة الشعبية والزائر في قلب المشهد
من أهم خصائص الأغنية هيمنة صيغة الجمع. فالمتكلم لا يقدم نفسه باعتباره حاجًا منفردًا، وإنما جزءًا من جماعة: “جينا نزورك / كنا مجموعين”. وتكشف هذه اللغة أن الزيارة ممارسة اجتماعية جماعية بقدر ما هي ممارسة دينية. فالناس يسافرون معًا، ويقيمون معًا، ويشاهدون الموسم معًا. ويصبح الاجتماع ذاته أحد مقاصد الرحلة. وهنا تقترب الأغنية من أحد العناصر الأساسية في التصور الباختيني للكرنفالية: بروز الجماعة الشعبية داخل المجال العام. ففي الزمن العادي تتوزع الجماعات بين القرى والقبائل والمهن والأعمال والمراتب، بينما يجمع الموسم هذه العناصر في فضاء واحد. ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء الفوارق الاجتماعية، وإنما حدوث نوع من التخفيف المؤقت لحدودها وإعادة ترتيبها. ولهذا لا تضع الأغنية الشخصيات الرسمية في مركز المشهد؛ فالبطل الحقيقي هو الجمع: الزوار، والفرسان، والقبائل، وأهل الحلقة، والنساء، والعِشران. إنها صورة للمجتمع كما يظهر من الأسفل، من منظور الناس العاديين الذين يسافرون ويتفرجون ويأكلون ويحتفلون. وهذا ما يجعل الحديث عن إعادة مؤقتة لتشكيل السلطة والتراتبية أكثر دقة من القول بوجود تمرد سياسي مباشر. فالأغنية لا تدعو إلى إسقاط السلطة، ولكنها تصف زمنًا تصبح فيه الجماعة الشعبية هي صاحبة المجال والصوت والحركة، وتتقدم أنظمة رمزية أخرى.
إشباع الرغبة في فضاء الموسم
تظهر المرأة داخل هذا المشهد الاجتماعي في صورة لافتة، ولا سيما في العبارة التي تصف القادمات إلى الزيارة: “تعالا تشوف الزين، راه السوالم جايين زايرين”. إن حضور “الزين”، لا يمكن اختزاله في وصف جمالي عابر، لأنه يكشف وظيفة اجتماعية مهمة للموسم. فهذا الفضاء يسمح بلقاء أشخاص وجماعات، قد لا تتيح الحياة اليومية في المجتمع القروي فرصًا مماثلة لاجتماعهم. ويكتسب فعل النظر أهمية خاصة في الأغنية. فعبارات من قبيل “شوف الزين” و”التبهيجة والفراجة”، تتكرر لتجعل المشاهدة نفسها أحد مكونات تجربة الموسم. فالناس يأتون لزيارة الولي، ولكنهم يأتون أيضًا “ليروا ويُروا.” ومن هنا يمكن إدخال مفهوم إشباع الرغبة، شريطة عدم اختزال الرغبة في بعدها الجنسي. فالرغبة في الأغنية متعددة: الرغبة في رؤية الآخر، وفي اللقاء، وفي الطعام، وفي مشاهدة الخيول، وفي الاستماع إلى الحلقة، وفي الحركة والسفر، وفي الخروج من الإيقاع المألوف للحياة. ويظهر كذلك حضور العِشران في المجال المحيط بالموسم والغابة، وهو ما يؤكد أن الموسم فضاء لإعادة تنشيط العلاقات الاجتماعية والصداقة واللقاء. وهكذا يصبح الفضاء الديني نفسه مجالًا مشروعًا نسبيًا لإشباع رغبات اجتماعية وجسدية وبصرية لا تجد بالضرورة المجال نفسه في الحياة اليومية.
المقدس وخريطة الأولياء
على الرغم من قوة البعد الاحتفالي، لا ينبغي أن تقود القراءة الكرنفالية إلى تهميش المقدس، لأن الولي هو الذي يمنح الاجتماع منطقه الأساسي. فالغاية المعلنة منذ البداية هي: “وابا وبا / الولي مولاي عبد الله / راحنا جينا نزورك”. “وابا وابا!” بوصفها، إلى جانب وظيفتها الإيقاعية، إيحاءً رمزيًا بالبنية الأبوية وهيمنة المذكر التي تؤطر التمثلات الاجتماعية والثقافية في الأغنية. غير أن المقدس في الأغنية لا ينحصر في مولاي عبد الله وحده، بل تتشكل تدريجيًا خريطة روحية للمجال، تحضر فيها أسماء أولياء وشخصيات مقدسة أخرى بمفهوم ” رجال البلاد”، ومن بينها مولاي بوشعيب مول الراكوبة. وتبرز هنا فكرة “الضُّمان”، بوصفها واحدة من أكثر العناصر دلالة على الخيال الديني الشعبي. ويكشف مفهوم “الضُّمان” عن تحول دلالي من الحماية التاريخية للمجال، المرتبطة بالمرابطين والمجاهدين ومقاومة القوى الأجنبية، إلى حماية رمزية تستمد فاعليتها من بركة الأولياء؛ بحيث انتقلت صورة حارس الثغر والمجال في الذاكرة التاريخية إلى صورة الولي الضامن للمكان في المخيال الديني الشعبي. ففي الحوار الذي تقيمه الأغنية مع مدينة الجديدة تقول المدينة: “راني عندي ثلاثة الضُّمان،” ثم تظهر أسماء الحُماة، ومن بينهم: “مولاي بوشعيب مول الراكوبة، ومولاي عبد الله نوبة نوبة يفرج علي.” فالولي في هذا التصور لا يسكن ضريحًا مغلقًا فقط، وإنما يمتد أثره الرمزي إلى المجال المحيط به. إنه يحرس ويحمي ويضمن. ومن ثم تتحول الجغرافيا الواقعية إلى جغرافيا مقدسة، موزعة رمزيًا بين أولياء وحماة. وتبلغ قوة هذا المقدس ذروتها في العبارة: ويا مولاي عبد الله أمغار/ لزارك كي اللي شاف الجنة بالنهار.” فالزيارة هنا ترتفع إلى مرتبة تجربة استثنائية، ويُقاس أثرها بصورة أخروية قصوى هي رؤية الجنة. وهذا ما يميز الموسم عن الكرنفال بالمعنى الأوروبي التقليدي. فالمقدس هنا، لا ينسحب لكي تبدأ المتعة؛ بل إن المقدس نفسه يتيح الاجتماع والفرجة. إن الناس يحتفلون داخل المجال الذي شرعته زيارة الولي. ومن ثم لا تقوم العلاقة على التعارض البسيط بين المقدس والدنيوي، وإنما على تداخلهما.
الجديدة في حماية الأولياء
تحتل مدينة الجديدة موقعًا مميزًا في الأغنية، إذ لا تظهر مجرد محطة جغرافية في الطريق، بل تتحول إلى شخصية مؤنثة يدخل معها المغني في حوار: “لحقنا الجديدة وبانت لي الكبيدة/ قلت ليها مالك فريدة…” إن تشخيص المدينة في صورة امرأة يفتح النص على مستوى آخر من الخيال الشعبي. فالمدينة لها جسد وصوت وحالة نفسية، ويمكن سؤالها عما أصابها. ثم تأتي إجابتها: وقالت لي السالمي ما تبقاش فقعان/ راني عندي ثلاثة الضُّمان.” وهنا يجتمع المؤنث والمجال والمقدس والحماية في صورة واحدة. فالمدينة الأنثى محاطة بضمان ذكوري مقدس روحي يحميها. وتكشف هذه الصورة أن المكان في المخيال الشعبي لا يُفهم فقط من خلال الحدود والطرق والمؤسسات، بل أيضًا من خلال علاقته بالقوى الروحية التي تحميه. ولذلك تصبح خريطة الأولياء، في مستوى من المستويات، خريطة موازية للخريطة السياسية والإدارية. ومن هذه الزاوية يمكن الحديث بحذر عن شكل من إعادة توزيع السلطة الرمزية. فالمدينة التي يمكن أن تُقرأ رسميًا من خلال مؤسساتها وحدودها وطرقها، يعيد الخطاب الشعبي تعريفها من خلال الأولياء الذين “يضمنونها”. إنها ليست إلغاءً للسلطة الرسمية، بل إنتاج تصور شعبي موازٍ للسلطة والحماية.
البحر والغابة والواد وتحويل الطبيعة إلى مجال مقدس
لا تقتصر الأغنية على وصف المدن، بل تستحضر النوافذ، والبحر، والواد، والغابة. وهكذا يظهر مجال مولاي عبد الله محاطًا بالطبيعة، وتتداخل الجغرافيا المادية مع التصورات الروحية. وتغدو “التسع شراجم” بمثابة ثغور رمزية مفتوحة على الجهات المحيطة، تجمع بين وظيفة النافذة ودلالة المراقبة والحراسة، بما يعزز تمثل الولي حارسًا للمجال وضامنًا له ببركته. وتشير الأغنية إلى خطر البحر والفيضان، قبل أن تربط استمرار المكان بحماية مولاي عبد الله. فالبحر والواد يمثلان قوى طبيعية يمكن أن تهدد المجال، في حين يمثل الولي عنصرًا رمزيًا للحماية والاستقرار. بهذا المعنى، لا يعود المكان مجرد موقع للزيارة؛ إنه مجال مقدس، تشكلت حوله روايات للحماية والبركة. كما تصبح الغابة والبحر والواد جزءًا من تجربة الزائر، أي من السياحة الدينية بمعناها الواسع. وتكتسب الغابة أهمية اجتماعية كذلك بحضور “العشران” فيها. فهي تقع على هامش المجال المركزي للموسم، وتتيح أشكالًا من اللقاء والتجوال والابتعاد النسبي عن الرقابة الاجتماعية المعتادة. ومن هنا تلتقي الطبيعة مرة أخرى بالكرنفالية: فالموسم لا يعيد تشكيل الزمن فقط، بل يعيد أيضًا توزيع الناس داخل الفضاء.
الفرجة والتبوريدة وصناعة الزمن الكرنفالي
عند الوصول إلى الموسم تنتقل الأغنية إلى مستوى آخر من الوصف: “لقينا الموسم جابد”، ثم يظهر الحشد، والخيول، والحلقة، والفرجة. وتتكرر الدعوة إلى المشاهدة: “تعالى تشوف…”وتكتسب هذه الصيغة أهمية خاصة، لأنها تحول الموسم إلى مشهد. فالزائر لا يؤدي طقس الزيارة فقط، وإنما يصبح متفرجًا ومشاركًا في الوقت نفسه. وتحتل التبوريدة مساحة واسعة من الأغنية، إذ يسرد المغني أسماء الوفود والخيول القادمة من مناطق وقبائل مختلفة: “جاو خيل السواني/ جاو خيل ولاد حريز/ جاونا خيل الشياضمة/ جاونا خيل عبدة (…)/ وجاونا القواسم…”. ويؤدي هذا التعداد وظيفة تتجاوز الوصف. إنه يرسم جغرافيا بشرية للموسم. فالقبائل والمناطق التي تكون متباعدة في الحياة اليومية تلتقي مؤقتًا في مكان واحد. وتتحول التبوريدة بذلك إلى عرض للقوة والمهارة والجمال والهوية الجماعية. وفي الوقت نفسه تصبح جزءًا من الاقتصاد البصري للموسم: هناك من يؤدي وهناك من يشاهد، وكل فريق يريد أن يظهر ويتفوق أمام الآخرين. ومن منظور كرنفالي، يمثل هذا الاجتماع لحظة تكثيف للحياة الاجتماعية: أصوات مرتفعة، وخيول، وبارود، وحركة، وأجساد، وجمهور، وتنافس، واستعراض، وفرجة. إنها نقيض إيقاع الحياة الزراعية اليومية البطيء والمنضبط.
الجسد والطعام واقتصاد الوفرة
من أقوى المقاطع التي تسمح بقراءة كرنفالية للأغنية وصف الإقامة والطعام: “بركنا ثلاثة أيام/ الماكلة بالنظام/ الحولي ولحم الغنم والحريرة بلحم الحمام…”. فالزائر لا يصل ويغادر مباشرة، وإنما يقيم ثلاثة أيام. وهنا تنتقل الأغنية من المقدس المجرد إلى الجسد: الجسد الذي يسافر ويتعب، ثم يأكل ويشاهد ويستمتع. وتكتسب وفرة الطعام دلالة إضافية إذا ربطناها بانتهاء الموسم الزراعي. فبعد زمن الإنتاج وجمع المحصول يأتي زمن يسمح بالاستهلاك والإنفاق. ومن ثم يمكن قراءة الوليمة والطعام بوصفهما انتقالًا رمزيًا من اقتصاد الادخار والعمل إلى اقتصاد العطاء والاستهلاك الاحتفالي. وهذا البعد قريب من الجسد الكرنفالي عند باختين؛ فالجسد لا يظهر بوصفه كيانًا فرديًا مغلقًا، وإنما من خلال الأكل والحركة والاختلاط بالآخرين والاحتفال الجماعي. وهكذا لا يصبح الطعام تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا أساسيًا في فهم الموسم. فالبركة والزيارة لا تلغيان الجسد، وإنما يتعايشان معه. إن الروحاني والحسي، لا ينفصلان داخل التجربة الشعبية للموسم.
إذا جمعنا هذه العناصر، أمكن القول إن الموسم يشكل فضاءً مؤقتًا يسمح بإشباع مجموعة من الرغبات التي تكون موزعة أو مقيدة في الحياة اليومية. هناك رغبة دينية في زيارة الولي والبركة؛ ورغبة اجتماعية في لقاء العِشران والأقارب والجماعات الأخرى؛ ورغبة بصرية في مشاهدة النساء والخيول والتبوريدة والحلقة؛ ورغبة جسدية في الطعام والراحة والاحتفال؛ ورغبة مجالية في السفر والخروج من القرية واكتشاف الطريق والمدينة والبحر؛ ورغبة رمزية في المشاركة في حدث كبير يجمع مناطق وقبائل متعددة. ولهذا فإن عبارة “التبهيجة والفراجة”، تكاد تختصر جانبًا أساسيًا من فلسفة الموسم كما تقدمها الأغنية. لكن هذا التحرر ليس دائمًا. وهنا تظهر أهمية مفهوم الكرنفالية: إنه زمن استثنائي ومؤقت. فبعد انتهاء الموسم يعود الناس إلى قراهم، وإلى العمل، وإلى الدورة الزراعية وإكراهات الحياة اليومية.
هل يقلب الموسم السلطة؟
تسمح الكرنفالية بطرح سؤال السلطة، لكن ينبغي التعامل معه بحذر. فالأغنية لا تقدم دليلًا واضحًا على تمرد سياسي مباشر أو رفض صريح للمؤسسات. ولذلك سيكون من المبالغة اعتبار الموسم ثورة على السلطة. الأدق هو الحديث عن تعليق جزئي ومؤقت لبعض التراتبيات، وإعادة ترتيب مراكز السلطة الرمزية. ففي الحياة اليومية توجد الدولة، والإدارة، والسلطة الاقتصادية والاجتماعية. أما داخل الأغنية، فإن مركز العالم يصبح شيئًا آخر: الولي، والزوار، والجماعة، والفرسان، والعِشران، وأهل الحلقة، والقبائل. وبهذا المعنى، لا تختفي السلطة الرسمية، وإنما تفقد مؤقتًا احتكارها لتعريف المكان. فالمجال يعاد إنتاجه من خلال الذاكرة الشعبية والبركة والضُّمان والفرجة والانتماء القبلي. ومن هنا تصبح فكرة “الضُّمان” ذات أهمية خاصة. إنها تعبر عن وجود نظام رمزي للحماية يوازي، في الخيال الشعبي، أنظمة الحماية الرسمية. فالمدينة يحميها أولياؤها، والمجال تحرسه البركة، والجماعة تعيد سرد خريطتها انطلاقًا من المقدس. إنها ليست ثورة سياسية، بل يمكن وصفها بأنها إعادة ترتيب مؤقتة للسلطة الرمزية. ومن هذا المنظور، يغدو الموسم فضاءً مرخَّصًا ومؤقتًا للتفريغ الاجتماعي والنفسي، يسمح بتعليق بعض ضوابط النظام القائم دون تقويضه، قبل أن تنتهي اللحظة الاحتفالية ويعود الجميع إلى النظام الاجتماعي المألوف.
من السياحة الدينية إلى التجربة الكرنفالية للمقدس
تكشف أغنية “مولاي عبد الله” للتهامي السالمي أن السياحة الدينية الشعبية لا يمكن اختزالها في الانتقال إلى ضريح وزيارته. فالزيارة التي تصفها الأغنية تبدأ قبل الوصول إلى الولي وتمتد بعده، وتشمل الطريق والمدينة والبحر والغابة والناس والخيول، والحلقة، والطعام، والإقامة. ويظهر الموسم، من خلال هذه العناصر، بوصفه نقطة التقاء بين ثلاثة أزمنة: زمن ديني تحكمه زيارة الولي والبركة؛ وزمن زراعي مرتبط بانتهاء دورة العمل والحصاد؛ وزمن احتفالي استثنائي تتحرر فيه الجماعة مؤقتًا من بعض قيود الحياة اليومية. ومن هنا تكتسب القراءة الكرنفالية قيمتها. فالموسم يفتح مجالًا استثنائيًا لبروز الجماعة الشعبية، وتكثيف اللقاءات، وإظهار الجسد، والاستهلاك، والفرجة، وإشباع الرغبات. وتصبح المرأة والعِشران والخيول والحلقة والطعام والوفود القبلية أجزاء من عالم مؤقت أكثر كثافة وحركة من الحياة اليومية. غير أن خصوصية الموسم المغربي تفرض في الوقت نفسه تجاوز التطبيق الحرفي لمفهوم الكرنفال عند باختين. فالكرنفالية هنا لا تقوم على إقصاء المقدس أو السخرية منه. على العكس، إن الولي هو الذي يجعل الاجتماع ممكنًا ويمنحه شرعيته الرمزية. فالزيارة تستدعي الفرجة، والمقدس يحتضن المتعة، والبركة تتعايش مع الطعام والجسد واللقاء. وبذلك تكشف الأغنية عن علاقة أكثر تعقيدًا من الثنائية البسيطة بين المقدس والدنيوي. ففي موسم مولاي عبد الله، يصبح المقدس منتجًا للاحتفال، ويصبح الاحتفال طريقة اجتماعية لعيش المقدس. وهنا تكمن القيمة الأنثروبولوجية والثقافية الكبرى للأغنية. فهي لا تصف حدثًا دينيًا فحسب، وإنما تحفظ ذاكرة مجتمع بكامله وهو ينتقل، بعد زمن العمل والإنتاج، إلى زمن استثنائي يجتمع فيه الناس ويزورون أولياءهم ويلتقون بالعِشران، ويشاهدون الخيول ويأكلون ويحتفلون، قبل أن يعودوا مرة أخرى إلى نظام الحياة اليومية. لذلك يمكن النظر إلى السياحة الدينية في مجال مولاي عبد الله باعتبارها، حركة بين المكان والمقدس والرغبة: رحلة تبدأ من القرية والطريق، تمر بالمدينة والطبيعة، وتبلغ ذروتها في الموسم، حيث يعاد مؤقتًا تشكيل الزمن، والجماعة، والسلطة، والمجال. ومن خلال هذه الحركة تقدم أغنية التهامي السالمي وثيقة شعبية بالغة الأهمية لفهم الموسم المغربي، لا بوصفه مجرد زيارة دينية ولا مجرد فرجة، بل بوصفه نظامًا ثقافيًا مركبًا، تتقاطع داخله القداسة والدورة الزراعية والكرنفالية والذاكرة الشعبية وإشباع الرغبات.