بروكسيل: الهوية المغربية في صلب رهانات الذكاء الاصطناعي

ريتاج بريس

خلال الندوة التي نظّمتها جمعيتا ADES و RAMA، قدّم الدكتور العميري مراد، الخبير في الذكاء الاصطناعي، ورئيس ANMSBD‑MDK و WSTMF، مداخلة مكثّفة حول العلاقات بين الهوية والشعبوية والذكاء الاصطناعي.

وقد تمحور خطابه حول فكرة محورية مفادها أن الهوية أصبحت اليوم رابع رهان استراتيجي للذكاء الاصطناعي بعد القوة الاقتصادية، والسيادة التكنولوجية، والأمن. فبحسب رأيه، لا يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة إنتاجنا أو اتخاذنا للقرار فحسب، بل يؤثر أيضاً في ما يصبح مرئياً، ومقنعاً، وقابلاً للنقل، وقابلاً للسرد عن أنفسنا.

ذكّر العميري مراد بأن المجتمعات تتناول الذكاء الاصطناعي عادة من ثلاثة زوايا: الاقتصاد، والتكنولوجيا، والأمن. لكنه شدّد على بُعد غالباً ما يُغفل: من يملك سلطة وصفنا؟ وبأي لغات؟ وبأي بيانات؟ وبأي تصنيفات؟ فالمجتمع قد يمتلك مهندسين وبيانات وبنى تحتية، لكنه يبقى تابعاً ثقافياً إذا كانت رواياته ولغاته وذاكرته غائبة عن النماذج الرقمية.

وقد ركّزت مداخلته بشكل خاص على ضرورة صون الهوية المغربية داخل الفضاء الرقمي. فالدارجة، والأمازيغية، والعربية، والفرنسية، والتقاليد الشفوية، والأرشيفات المحلية، والتاريخ الاجتماعي، والذاكرة الروحية للمغرب، كلها عناصر — بحسب قوله — ينبغي أن تكون ممثلة بشكل أفضل في المدونات الرقمية حتى لا يروي الذكاء الاصطناعي المغرب انطلاقاً من تصنيفات خارجية فقط.

وفي مواجهة مخاطر التبسيط الشعبوي والتلاعب الخوارزمي، دافع العميري مراد عن هوية مغربية منفتحة ومتجذّرة وناقدة. ورفض فكرة الهوية المنغلقة أو الدفاعية، داعياً في الوقت نفسه إلى عدم ترك المنصات والخوارزميات تتحول إلى الوسطاء الوحيدين للذاكرة والثقافة وآليات النقل المعرفي.

ومن بين الإسهامات العملية المهمة في مداخلته، اقتراحه خطط عمل ملموسة لحماية الهوية المغربية في عصر الذكاء الاصطناعي: تطوير مدونات رقمية مغربية وإفريقية، تعزيز حضور العربية والدارجة والأمازيغية في الأدوات الرقمية، تكوين الشباب على التفكير النقدي، تقييم الانحيازات الثقافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتعبئة الكفاءات المغربية عبر العالم.

كما دعا الطلبة والشباب المغاربة في المهجر إلى أن يصبحوا جسوراً للمعرفة: الإسهام في المدونات اللغوية، العمل على مكافحة التمييز الخوارزمي، رقمنة الأرشيفات، تأطير السرديات التاريخية، وتعليم مهارات التحقق بدل الاكتفاء بالتكرار.

وفي الختام، صاغ العميري مراد رسالة واضحة: ليس الهدف شيطنة الذكاء الاصطناعي ولا تقديسه، بل فهمه وضبطه وتنظيمه والدخول إليه بلغاتنا وذاكراتنا وصوتنا الخاص. فحماية الهوية المغربية اليوم ليست مجرد دفاع عن إرث، بل هي تنظيم حضور هذا الإرث في العالم

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد