محمد الفرسيوي/كاتب من المغرب
في مقالتين سابقتين بصدد هذه الحرب (العدوان الصهيو-أمريكي على إيران والمقاومة)، أكدتُ “الخاصية النوعية” لهذه “المواجهة الكبرى” بتوصيف “قناة الميادين” السديد(…) سيّما وأنها تجري على قاعدة “طوفان الأقصى”، و”البؤرة التحررية” في المنطقة (وربما العالم كله)، والتي تسمى فلسطين.
هذه واحدة، أما التي تليها فموصولة بالأزمة العميقة التي يمرُّ منها النظام الرأسمالي بقيادة أميركا والأطلسي والغرب عموما، والتي شرعت في الانفجار منذ 2008، ماسة أسس هذا النظام على الصعيد المالي والتجاري والتنافس التكنولوجي والتحكم في الأسواق والموارد والممرات ومناطق النفوذ من جهة، وعلى الصعيد الاجتماعي و”الثقافي” و”القيمي” متمثلا في بداية سقوط أوهام عولمة الرفاهية والمجتمع الاستهلاكي وانتصار نظام “السوق” على الأفراد والمجموعات والدول وعلى الإنسان والجغرافيا عموما.
وبالتزامن والأسباب، وفي خضمِّ التحَول والمتغَيرات، كان “نمط الإنتاج الأسيوي” يشقُّ طريقه بإصرار وبتدفُّق سريع بقيادة الصين و”القوى البازغة” الأخرى، بينما “المُقاوَمات” تُكابر، تسقط وتنهض، تتلقى الضربات التي تُقويها، تُبدع وتتشكَّل وتتشاكل، في المنطقة وفي “القارات الثلاث”، والتي بؤرتها فلسطين المحتلة وبوصلتها إنهاء الاحتلال والهيمنة والتخلف و”الاستعمار الجديد” والنموذج الغربي الانجلوساكسو-فرنكفوني والصهيو-امبريالية.
هذه “المواجهة الكبرى”، بين إيران (ومن معها) وبين أميركا-النتن (ومن معهم)- ومثلما أكدتُ في المقالتين السابقتين- هي حرب طويلة، لا تقاس فيها النتائج بعد الضربات والأهداف بل بنوعيتها، وبمن يمتلك ويتملَّك النَّفس الطويل والقدرة الفرط-عجائبية على تحمل الخسائر والتضحيات والآلام، وبمن يستطيع استدراج “العدو” الى استنزاف اقتصادي وسياسي ونفسي وأخلاقي، طويل ذكي مكلِّف، قاسٍ موجع وحاسم.
ولعل الوقائع الملموسة لهذه “المواجهة الكبرى” تسير في هذا الاتجاه لصالح المُعتدى عليه بمعطيات “القوة النَّوعية” المادية والمعنوية، وبالاستعمال السديد لكل الأوراق التي يملكها والتي يكتسبها في دينامية النِّزال، وذلك في الوقت أو التوقيت الذي يجب.
بيد أن هذه “المواجهة الكبرى”، وهي تجري في سياق الأزمة العميقة للرأسمالية والامبريالية الأطلسية الغربية بقيادة الصهيو-أميركية، بقدر ما لا يجب أن تحجب عن الأنظار تشتّت وتخبّط هذا المعسكر الإبستيني وصراعاته الداخلية في شكل تيارات وطبقات إمبريالية ثلاث (الأمركة؛ أمريكا أولا-العولمة؛ الغرب والأطلسي أولا-بقايا وأشباح الحرب الباردة)، ينبغي أيضا-وبالقدر نفسه-أن لا تحجب عن أنظارنا قدرة هذا المركب الامبريالي على المناورة وعلى ترميم أطرافه ثم العودة الى استراتيجية “الهيمنة المعولمة” بواسطة “الحروب الناعمة” بعد فشل “الهيمنة بالقوة الغاشمة” و” الحروب الخشنة”، بخطط الإخضاع والاختراق والإضعاف السابقة، وبما صار معروفا بالثورات الملونة والاختراقات الهوياتية والأكاديمية والإعلامية من خلال توظيف الثنائيات المصطنعة (المذهبية والعرقية واللغوية والثقافية) واستعمال ما يسمى بالمجتمع المدني تحت عناوين براقة وشعارات كاذبة من قبيل الديموقراطية وحقوق الانسان… وهلمجرا
لا شك أن الشركات الخفيّة العابرة للحدود والدول واللوبيات السريّة والعلنيّة التي توجِّهُ هذا المركب الصهيو-امبريالي، قد جربت حتى الآن كل أشكال وأنماط وصيغ الاستعمار والهيمنة والإخضاع على العالم وشعوبه. ولا شك ثانياً أن شعوب الأرض وقواها ودولها قد خبرت هذه الاستراتيجيات الاستعمارية جيداً، من الاستعمار المباشر وتجاربه المريرة، مرورا بالاستعمار غير المباشر وأشكاله القذرة، وانتهاءً بالاستعمار الجديد وأنماطه المعولمة الخطيرة بواسطة ما يصِحُّ الاصطلاح عليه؛ “التوحش النّاعم” ثم “التوحش المتوحش”. ولا شك، أخيراً وليس آخراً، أن هذه “المواجهة الكبرى” وهي على طريق السداد في إنجاز مهام “المرحلة الانتقالية” (من الأحادية الى القطبية المتنوعة) -بعد المخاض العسير وآلام الولادة العظيم طبعاً- لا شك أن إيران ومن معها تستحضر مدى حيوية النّفس الطويل والصمود المديد والاقتدار المدروس السَّديد، وكذا طبع ومخزون الخداع والمُناورات لدى هذا المركب الصهيو-إمبريالي، وفي قلبه توجد بريطانيا “العقل الاستعماري الخطير” الذي يجنَحُ الى “استئناف اللعب” و”تجريب التًّجميع والنهوض”.؟
على هذا “الطريق السديد”، ينبغي مواصلة المسير، وينبغي أيضا أن تفجّر طاقات الابتكار والإبداع والخيال الخلاق الولاد، وأن تكتشف وتحتضن وتُطوّر؛ في الفنون الجميلة كلها (شعر-قصة-رواية-موسيقى-تشكيل-سنيما…)، في الفكر والتنظير والتنظيم والتعبئة، في الاتصال والتواصل والإعلام عموماً، في البحث العلمي والاختراع كله، في كل الميادين وكل جبهات الابتكار والابداع الإنساني الخلاق الجميل النبيل بدون استثناء. وهذا مقدور عليه، في ضوء التحول الكبير الجاري، من مختلف “مؤسسات النهوض والإنهاض” في المجتمعات والدول ذات المصلحة في التحرر والانعتاق والازدهار، ولدى مؤسسات ثقافية (من قبيل المؤتمر القومي العربي) وإعلامية كثيرة وعلى رأس تاجها “قناة الميادين”، مثلا.
لقد صدق أنطونيو غرامشي حين قال؛ “العالم القديم يحتضر، العالم الجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش”. وإن “النّصر”-صغيراً، كبيراً، غير مكتمل، كاملاً- هو كأي أمرٍ عظيم غالٍ نفيس، يُلزم دوماً بأن يُرعى ويُصان ويُوضع في مُستقر العيون، فهذه الأمة (أمتنا المظلومة من عدوها ومن حكامها) تنتظر بكل استحقاقٍ وعطشٍ تاريخي نصراً عظيماً يمحو آثار الاستضعاف والهزيمة الطويلة من النفوس، ويكْنُسُ الاستسلام والخنوع والمَسْكَنَة من أعماق أعماقها، وإن التراكمات الكمية لتفضي حتماً الى التراكم النوعي السّالك الى “الانعتاق الكبير”، و”إنه لمن البديهي بالنسبة لمن يكتفي بالخطة التكتيكية المرحلية فقط دون أن ينطلق من أفق استراتيجي، يكون مصيره إما أن يَسرق منه الخصم (العدو) سياستَه (وقراره)، وإما أن يظهر بظهر الانتهازية (والخيانة لاحقاً)”.. أختم بقولة “الاختيار الثوري” هذه، للشهيد المغربي الأممي المهدي بنبركة، والله المعين.