إلغاء بحوث الإجازة والماستر: تهديد للقيادة الأكاديمية في الجامعة المغربية

بقلم الدكتور محمد محاسن

بقلم الدكتور محمد محاسن

موجز

يشكل القرار الأخير لوزارة التعليم العالي القاضي بإلغاء بحوث نهاية الدراسة للإجازة والماستر، ابتداء من الدخول الجامعي الحالي 2025/26، منعطفاً مثيراً للقلق في مسار الجامعة المغربية. أسعى في هذا المقال إلى تحليل تداعيات هذا القرار من خلال مقاربة القيادة الأكاديمية، بوصفها قدرة الجامعة على تكوين مواطنين مسلحين بالحس النقدي ومستقلين ومسؤولين. فإذا كان الهدف المعلن هو تعزيز الصلة مع المحيط السوسيو-مهني، فإن النتيجة المتوقعة هي إضعاف ثقافة البحث والصرامة المنهجية والروح النقدية. بعد الوقوف عند محدودية التأطير داخل المقاولات ومخاطر هذا الاختزال المفرط، أقترح في هذا المقال بدائل تقوم على التأطير المشترك بين الجامعة والهيئات والمنظمات والمقاولات المستقبلة، وإعادة ابتكار صيغ البحث، وإدماج الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

تمهيد

تتحدد القيادة الأكاديمية في كون الجامعة فضاءً لتكوين العقول على الصرامة العلمية والقدرة النقدية وروح الابتكار. في هذا الإطار، يشكّل بحث نهاية الدراسة، سواء في الإجازة أو الماستر، تمريناً محورياً يؤهل الطالب لاكتساب منهجية البحث وبناء معرفة مستقلة.

إن قرار الوزارة الوصية إلغاء هذا التمرين لفائدة التداريب في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية يطرح تساؤلات عميقة، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل بيداغوجي، بل بإعادة تعريف لدور الجامعة ورسالتها في المجتمع.

 

1)      القيادة الأكاديمية المهدَّدة

لقد كان البحث النهائي أداة أساسية لترسيخ القيادة الأكاديمية، لأنه يدرب الطالب على:

 بناء مشروع معرفي معقد في استقلالية مؤطَّرة؛

 تنمية التفكير النقدي إزاء المعطيات والنصوص والنظريات؛

 اكتساب الصرامة المنهجية الضرورية في البحث واتخاذ القرار.

وبالتالي، فإن إلغاءه يضعف من قدرة الجامعة على تكوين نخب أكاديمية قادرة على الجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية والمسؤولية المجتمعية.

 

2)      وهم التعويض بالمؤسسة الاقتصادية

تفترض الإصلاحات الأخيرة أن المقاولات قادرة على تعويض الجامعة في التأطير. غير أن الواقع يكشف عن عجز واضح يتمثل أساسا في:

ü      ضعف معدل استقبال الطلبة المتدربين في تلك المؤسسات، وتفاوت ذلك بحسب القطاعات؛

ü      تدني جودة التأطير في المقاولات بين الاستغلال والإهمال؛

ü      هيمنة منطق الربح الاقتصادي على حساب الوظيفة التكوينية.

فالقيادة الأكاديمية تقتضي أن تظل الجامعة المركز الأساس للتكوين، لا أن تفوض هذه المهمة لجهات خارجية غير مؤهلة.

 

3)      تبسيط مفرط لإشكالية معقدة

إن تقديم البحث النهائي على أنه عبء بيروقراطي وتعويضه بالتدريب يُعد اختزالاً ساذجاً لإشكالية مركبة. فالعمل البحثي لم يكن ولن يكون عملا ثانويا، بل إنه تمرين جوهري لاكتساب مهارات البحث والمنهجية النقدية والاستقلالية الفكرية، وهي عناصر لا غنى عنها في عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتحولات التكنولوجية.

 

4)      دعوة لإعادة الابتكار بدل اللجوء إلى الإلغاء

إن قيادة أكاديمية مستشرفة لا تكتفي بالإلغاء، بل تسعى إلى إعادة الابتكار عبر:

ü      تنويع صيغ البحث النهائي: دراسات حالة تطبيقية، مشاريع رقمية، بحوث معطيات؛

ü      تشجيع التأطير المشترك بين الجامعة والمقاولة للجمع بين الصرامة الأكاديمية والخبرة المهنية؛

ü      إدماج الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مشاريع التخرج؛

ü      إرساء سياسة وطنية للتداريب: اتفاقيات منظمة، حصص استقبال ملزمة، تكوين المؤطرين.

 

عود على بدء 

إن قرار إلغاء بحوث الإجازة والماستر يمثل تهديداً مباشراً للقيادة الأكاديمية ولدور الجامعة في التكوين. فبدل أن يقوي العلاقة مع سوق الشغل، فإنه يضعف التفكير النقدي والصرامة العلمية والقدرة على الابتكار.

إن الإصلاح الحقيقي لا يكمن في الحذف، بل في إعادة تخيل وتحديث بحث نهاية الدراسة كفضاء للإبداع والبحث التطبيقي والقيادة الأكاديمية في خدمة التنمية الوطنية.

 

 

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد