ذ سامر أبو القاسم
طريقة تسيير قطاع الصحة ووضعية تقديم خدماته لا زالت في مستويات متدنية جدا بالنظر إلى متطلبات المواطنين، وقد تبين ذلك بالملموس أثناء مواجهة الجائحة وتداعياتها. والوضع الهش لهذا القطاع أصبح يشكل عبئا ثقيلا على المغاربة.
وما يزيد القلق تجدرا من خطورة الوضع هو قلة الأطباء والممرضين، فضلا عن كون أقسام الإنعاش تعرف امتلاء مستداما، واستمرار الاكتظاظ بالعديد من الأقسام، وتواصل تذمر المرضى من تدني جودة الخدمات وغياب الأدوية.
ووضعية هذا القطاع أصبحت ضاغطة وتؤشر على عدم قدرة الحكومة على ضبط مساراتها، ومخيفة من حيث الغموض الذي يلف المعطيات المعلن عنها رسميا.
وقد بينت الجائحة بما يكفي من المعطيات الميدانية، أن مدبري القطاع لم يكونوا في مستوى تأهيل البنيات الصحية التحتية لاستيعاب أكبر عدد ممكن من المرضى، ولتوفير العلاج لجميع المواطنين، ولتسهيل الولوج إلى خدماته، ولا في مستوى الزيادة في القدرة السريرية والطاقة الاستيعابية للمستشفيات العمومية وأقسام الإنعاش، وتوفير الأدوية والتقنيات القادرة على معالجة المرضى، وتمكين شركات الأدوية المغربية من إنتاج علاجات ضد المرض. وهو ما أوقع المنظومة الصحية في اختلالات كبرى، جعلت تحقيق الحق في الصحة بعيد المنال لعدة فئات اجتماعية ومناطق جغرافية متعددة.
وما ذكرناه من اختلالات، يعززه خروج الأطباء والممرضين ومختلف فئات الشغيلة الصحية للاحتجاج على الوضع المزري الذي وصله القطاع، وعلى سوء تعامل الوزارة مع أطرها ومطالبهم الخاصة، وعلى تبخيس مجهوداتهم، وغياب إرادة للنهوض بالقطاع وبأوضاع العاملين فيه.
والمؤكد اليوم هو الخصاص المهول في مجال تقديم الخدمات الصحية للمغاربة، سواء على مستوى التجهيزات أو المعدات واللوازم الطبية أو الأطر الصحية اللازمة أو الاستقبال والرعاية الطبية أو التكاليف المادية المراعية للقدرة الشرائية أو برامج الدعم الاجتماعي المخصص للخدمات الصحية، أو التوزيع المجالي العادل بين مختلف الجهات والأقاليم والمناطق.
وهناك تَفَشٍّ مريع لظاهرة الرشوة من أجل الاستفادة من الخدمات الصحية العمومية، بحيث لم تسلم من هذه الظاهرة حتى تلك الفئات المعنية ببرامج الدعم الاجتماعي في المجال الصحي.
وهناك تغول للقطاع الخاص في المجال الصحي، وتحويل الخدمة الصحية إلى نوع من التجارة في المرض، على حساب الأبعاد الإنسانية للمهن الطبية.
كما أن هناك استمرار لضعف القدرة على توفير سبل الولوج إلى العلاجات الأولية، واختلالات في مراقبة النساء الحوامل والإشراف على سلامة الولادات، ونقص مهول في الموارد البشرية على مستوى التغطية الصحية.
ناهيك عن أن العالم القروي يعاني من التهميش الفظيع على مستوى تقديم الخدمات الصحية، وأثمنة الأودية بالمغرب تعد الأكثر ارتفاعات مقارنة مع بلدان الجوار، واختراق الأدوية الجنيسة التي يتم تسويقها بالصيدليات تمثل نسبة ضئيلة جدا، واختـلالات عدة علـى مسـتوى نظـام التأميـن الإجبـاري الأساسـي عـن المـرض ونظـام المسـاعدة الطبيـة مرتبطة بشـكل خـاص بتمويـل المنظومـة وبحكامـة القطـاع.
أما المراكز الاستشفائية الإقليمية والجهوية التابعة لوزارة الصحة والمسيرة بطريقة مستقلة، فتتسم بانحطاط الخدمة الصحية، وتبرر سخط المواطنين عليها، خاصة وأنها لا تتوفر على عدة تخصصات ومصالح طبية ضرورية، وآجال مواعيد الكشف والاستشفاء بها طويلة الأمد.
إضافة إلى أن هناك إشكاليات الفوترة وتحصيل المستحقات عن الخدمات الطبية المقدمة، وصعوبات في عملية توريد الأدوية والمواد الصيدلية، وغياب أي تتبع أو مراقبة للاستهلاك النهائي من الأدوية والمواد الصيدلية المسلمة لمختلف المصالح، وكذا المشاكل المرتبطة بالبناية المخصصة للصيدلة وتجهيزها.
وهو ما يؤكد بالملموس أن آخر ما يتم التفكير فيه بخصوص السياسة الاجتماعية هو الخدمات الصحية، التي تعتبر حسب الدستور والمواثيق الدولية حقا تجب كفالته للمواطنين والمواطنات.
.