بقلم: ذ. سامر أبو القاسم
ما عاد الواقع يتحمل اختزال أوضاع الفئات في قضايا مغلوطة. خاصة وأن السياق الوطني يعرف، منذ مدة ليس بالقصيرة، تناميا لإعراض الشباب عن المساهمة في الحياة العامة، لعدم قدرة النمط التنموي الحالي على الاستجابة لحاجياتهم كفئة اجتماعية تمثل قاعدة الهرم السكاني بالمغرب، وعجزه عن تلبية حاجاتهم وانتظاراتهم، والإبقاء على تطلعهم لمستقبل أفضل عالقا بين العديد من المصالح المتضاربة خارج سياق المصلحة العليا للوطن.
فمن منطلق التشخيص المتعدد الأبعاد لوضعية الشباب، تفيد المعطيات أن هذه الفئة لا زالت تعاني من سمات أساسية بارزة، تتمثل في الانقطاع عن الدراسة، وصعوبة الاندماج المهني، والمعاناة مع البطالة، وعدم الاستقرار في عالم الشغل، ومحدودية الدخل بالنسبة للمشتغلين، وغياب الحماية الاجتماعية، وعدم الاستقلالية عن الأسرة…
كما تتجسد في كون غالبيتها لا تمارس أي نشاط، وتعمل على قضاء وقتها في أنشطة غير منتجة للرفاه الاجتماعي، وتعاني من اضطرابات نفسية، ولا تتمتع بتغطية صحية.
وحسب تقارير وطنية معتمدة، فإن هذه الوضعية المقلقة تنعكس سلبا على مستوى مشاركتها المواطنة في المجهود الجماعي، ويتضح ذلك من خلال النسبة المتدنية لانخراطها في الأحزاب السياسية والنقابات، التي تصل إلى حد 1 .%
وتكاد تكون مشاركتها في الحياة المدنية بصفة عامة منعدمة، إذ تتفرغ غالبيتها لأنشطة شخصية، وهو ما يجعلها في وضع غياب شبه تام عن الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية. وهو كذلك ما يعد تعبيرا صارخا عن أزمة ثقة بينها وبين المؤسسات السياسية.
خاصة مع استحضار معطى تفسيري مهم للظاهرة لدى البعض، الذي يذهب في اتجاه تعليل كل ذلك بعدم بذل ما يلزم من جهود لتيسير ولوجها للمشاركة في الحياة العامة عبر مؤسساتها التقليدية التي لا تبذل أي مجهود لإضفاء طابع الجاذبية إليها وإلى ما تقوم به من أدوار ووظائف ومهام.
ومن هذا المنطلق، قد يكون تمثل فئة الشباب للأدوار والمبادرات التي قد تساهم في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد سببا رئيسيا في التعبير عن خيبة أملهم في العمل السياسي المباشر، الذي لا يوفر أية آفاق لهم من أجل المشاركة في تحقيق تغيير فعلي.
وبذلك، فهي فئة اجتماعية تلتقي في هذا الاستنتاج مع غيرها من الفئات الاجتماعية الأخرى، والتي تتصدرها اليوم النساء والأطر والكفاءات وعموم المثقفين والمفكرين.
فالأمر قد يكون متعلقا بفئات وشرائح اجتماعية عريضة، متخنة بأحاسيس ملأى بالقلق والانشغال بإقصائها من الحياة العامة، ومشحونة بمشاعر كلها تعبير عن سخط من عدم تيسير مشاركتها في الحياة المدنية والسياسية، لتجعلها في عزلة، ولتسقيها مرارة الحرمان، ولترمي بالبعض منها في براثين الانحراف والإجرام والتطرف، وتلقي بالبعض الآخر في مخاطر الهجرة.
لذلك، فالقضية أكبر بكثير من أن يتم اختزالها في لحظة انتخابية آنية، أصبح الرهان عليها محصورا في سلطة المال والدين والنفوذ والولاء. أو يتم تقزيمها في لائحة وطنية لا تتجاوز الثلاثين شابا مخصصة للتمثيل السياسي المؤسساتي، أصبح الرهان عليها محصورا في أبناء أصحاب السلط الأربع السابقة.