حديث الجمعة .. أبناء الزنا والمجتمعات المنهارة

 

** الإعلامي: يونس إمغران

 

– نشرت مجلة لونوفيل أوبسرفاتور (Le nouvel Observateur) الفرنسية في أحد أعدادها الأخيرة بحثا ميدانيا حول مواليد الزنا (أي من خارج إطار الزواج) بأوربا، وحددت عيِّنتها (513 شخصا) من دولتين تختلفان من حيث انتمائهما الديني الطائفي: بلجيكا الكاثوليكية، وهولاندا البروتستانتية. وقد خلُص البحث إلى أن نسبة أبناء الزنا في القرى بلغت 0،5 في المائة، بينما ارتفعت النسبة في المدن إلى 12 في المائة. كما أكدت الدراسة على أن أنساب الأوروبيين باتت مجهولة وغير أصيلة لكون مواليدها جاؤوا من خارج إطار الزواج وخاصة في القرون الخمسة الأخيرة.

إلا أن ما يدعو إلى الاستغراب، هو قيام المجلة الفرنسية بهذا البحث في بلجيكا وهولاندا، متغافلة عن فرنسا (بلد المجلة) التي تعتبر من أكثر الدول الأوربية انفتاحا في العلاقات الجنسية الرضائية، حيث أشارت إحدى الدراسات في تسعينيات القرن الماضي إلى أن ثلثي مواطني فرنسا (تقريبا) من مواليد الزنا واللقطاء.

والمعروف أن المجتمعات الغربية لا تأبه لأصل مواليدها؛ هل جاؤوا من علاقات باركتها الكنيسة بعقود زواج؟ أو من علاقات جنسية عابرة بين رجال جُلُّهم مجهولين لا يتحملون مسؤولية الأبوة، ونساء يحملن بعد ولادتهن إسم: أمهات عازبات. لذلك فإن أغرب الأمراض الجنسية وأخطرها نجد موطنها في أوربا وأمريكا.

لكن ظاهرة أبناء الزنا لم تعد بعيدة عن المجتمعات العربية والإسلامية، والمغرب من البلدان التي تفاقمت فيه هذه الظاهرة وأضحت تهدد سلمه الاجتماعي، ونسيجه الاقتصادي، وصدقية تدين شعبه. حيث أشارت مجلة (لوموند) الفرنسية في السنة الماضية (2018) إلى أن بلادنا تسجل سنويا 50 ألف حالة ولادة خارج إطار الزواج. وهو رقم مخيف وخطير، إذ يستدعي من الدولة التحرك بكل إمكانياتها لمواجهته.

صحيح أن أسباب هذه الظاهرة عديدة؛ ومنها: الاغتصاب والإكراه والجهل، لكن يبقى الجنس الرضائي من الأسباب التي بدأت تشجع بعض الفاسدين على الزحف بثبات نحو هدم الأسرة المغربية الشرعية المحافظة. ولعل السكوت عما يسمى ب: الخارجين والخارجات عن الشريعة، والمنادين، في تحدٍّ عجيب، بخرق القانون في قضية ممارسة الرذيلة الجنسية، يدفعنا للتساؤل عما إذا كان بعض المسؤولين يرغبون في إلحاق الأذى بالمجتمع المغربي عن طريق تمكين هؤلاء الخارجين؛ من صناعة واقع اجتماعي جديد بالمغرب؟ اعتقادا منهم أن سكوتهم يندرج في سياق محاربتهم للتيارات المتدينة والإسلامية في السياسة والثقافة؟.

وللتذكير فقد أعلنت مؤسسة “سيمون دو بوفوار” الفرنسية منذ أسبوعين تقريبا عن تتويج هؤلاء الخارجات على الشريعة والقانون والمنضويات تحت لواء ما يسمى ب”ائتلاف 409″ بجائزتها، مشيرة إلى أن هذا التتويج يأتي بفضل عمل وتعبئة الخارجات على القانون للمطالبة بإلغاء تجريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج بين البالغين. وسيقام حفل تسليم الجائزة يوم 9 يناير من سنة 2020 بالعاصمة الفرنسية باريس.

والمؤسف له، هو أن المجلس العلمي الأعلى لم يجتمع لدراسة قضية الحريات الفردية، والتعبير – بالتالي – عن موقفه من الدعوة إلى محاربة شرع الله بإقرار رضائية الجنس الحرام، واكتفى ببلاغ تافه، في وقت سابق، حول عدم قبوله برفع الحظر عن الإجهاض غير المبرر بالمصلحة أو بما يسمح به الاجتهاد، مؤكدا على أنه لن يسمح بإقحام مجلسه في جدالات ذات طابع سياسي.

وإذ نحذر (من باب النصحية والأمر بالمعروف) المجتمع والدولة من الاستمرار في حالات اللاموقف واللامبالاة والسكوت عن عمل هؤلاء الفاسدين الذي يهدد السلم الاجتماعي والأخلاقي بالمملكة، فإن المجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء يتحملان كامل المسؤولية في حماية أنساب المغاربة وأشجارهم العائلية وسلامة مواليدهم من شبهات الزنا والسفاح، ومطالبان بضرورة مواجهة التيارات العلمانوية الفاسدة والهدامة بكل ما تقتضيه الشريعة والقانون وتاريخ الدولة المسلمة بالمغرب. يقول الله تعالى [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] (الأعراف 33)، ويقول سبحانه في سورة الإسراء الآية 32 [وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا].

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد