بقلم:الإعلامي: يونس إمغران
حددت منظمة اليونسكو تاريخ 18 دجنبر من كل سنة يوما عالميا للغة العربية. وإذ نجهل حيثيات اختيار هذا التاريخ وملابساته، فإننا نعلم جيدا قَدْرَ هذه اللغة ونشأتها ودورها الريادي في بناء الحضارة الإنسانية. كما ندرك جيدا حجم المؤامرات التي تلاحقها من أجل وأدها، ليس من خصومها الغربيين وغير الغربيين الذين أفلحوا، لحد الساعة، في إقصائها والتضييق عليها فحسب، وإنما من أبنائها والناطقين بحروفها (لا بمعانيها وفصاحتها) أيضا.
وفي الواقع، فإن اللغة العربية لا تحتاج إلى يوم عالمي بليله ونهاره، للاحتفال بها فلكلوريا، بل هي في أمس الحاجة إلى تمكينها من العودة إلى المشاركة في الحياة المجتمعية بقوة: إداريا واقتصاديا وعلميا وتعليميا وإعلاميا ودبلوماسيا.
لكننا لا ندعي أن لغتنا العربية مازالت تعيش اليوم عزتها اللسانية، وهيبتها الحضارية، وجاذبيتها السحرية في إقناع بعض حكام الأمة باعتمادها في الإدارة والإبداع والابتكار. إلا أنها، بالمقابل، لم تفقد بعد مقوماتها الأساسية، وإمكانياتها اللغوية والعلمية التي تسمح لها بالانخراط، ضمن لغات العالم، في عمليات النهوض بالأخلاق والعلم والثقافة.
إن العربية لغة عالمية، وإنْ لمسنا عجزها، في الراهن، عن المشاركة في الاختراعات العلمية والتكنولوجية، لكن بقاءها حيَّة ومتفاعلة إلى اليوم بعد مرور خمسة عشر قرنا على نزول الوحي الإلهي بها، يعطينا الدليل على عافيتها وقوتها، كما يعطينا الأمل في قدرتها على الانبعاث من جديد لبناء أمجادنا الحضارية.
والحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا؛ هي: أننا مسؤولون أولا وأخيرا عن فك حصار التحديات عن لغتنا العربية لإحيائها مرة أخرى وإشراكها في معارك الحياة داخليا وخارجيا. وأول هذه التحديات هي أن نجعل منها لغة وظيفية في الإدارة والاقتصاد والإبداع الفكري والثقافي والفني، وأن نواجه جميع أبنائها المعادين لها والمحاربين لعودتها بسن قوانين زجرية وصارمة ضدهم، ثم نعمل بإرادة صادقة على تواجدها بقوة، وتدريجيا، في المدرسة والإعلام والشارع.
ولا يخفى على أحد أن أكبر تحدٍّ يواجه اللغة العربية هو وجود فئة من وسط الناطقين بها تدين للغة الأجنبية وتتحالف مع الأجنبي لإبعاد العربية عن الاقتصاد والتعليم أساسا. وهذه الفئة ذات نفوذ واسع سواء في المربع الحاكم، أو في الحكومة، أو البرلمان، أو في الإعلام.
بينما يتمثل التحدي الثاني من حيث الأهمية والخطورة، في اتجاه هذه الفئة إلى توسيع مساحة التحرك لفائدة اللهجة العامية أو ما نسميه ب”الدارجة” ومحاولة تقويتها ومنحها هيبة ودعما سياسيا واقتراحها كبديل محتمل للعربية التي يرى خصومها على أنها مصدر لعودة الدين إلى المجتمع والدولة. وقد برزت خطورة هذا التحدي في قيام كثير من الدول العربية بتوزيع الأدوار بين اللغة الأجنبية واللغة العربية واللهجة العامية (الدارجة)، حيث تتسيد لغة المستعمر الأجنبية الإدارة والتعليم والاقتصاد والاستثمار، وتُحصَر اللغة العربية في التعليم العتيق، وتمنح للعامية مواقع في الشارع والإعلام.
لذلك، فإن الاحتفال باللغة العربية يجب أن ينطلق من معطى واقعي هو أنها لغة عالمية، وأن الاحتفال الحقيقي بها هو العمل على نشرها في العالم بكل الطرق العلمية والبيداغوجية والحضارية الممكنة، إذ عندما يجنح أصحابها، بغيرتهم وأنفتهم، إلى أن تكون رافعة للنمو المعرفي والعلمي، ولسانا للإنتاج والاستثمار، وأداة للتواصل والتحاور والتعاون السياسي الداخلي والخارجي، حينئذ يكون الاحتفال الفلكلوري اليوم بها مجرد حركة “يونسكية” مفضوحة وعارية من المصداقية، بل ولا أثر لها في العالم العربي ولا الإسلامي.
والذي يجب أن يعرفه خصوم اللغة العربية اليوم وغدا، هو أن اللغة العربية لا يُبعث “طائرُها الفينقي” بمجرد تحديد تاريخ للاحتفال بها. كما أن محاولاتهم لإماتتها وإقبارها لن يحالفها حظ التوفيق وإن استخدموا آلاف الوسائل والخطط والاستراتيجيات المحكمة والفعالة.. لماذا؟ لأن للغة العربية مكامن قوة لا تتوفر لأية لغة أخرى، ومنها؛ أولا: أنها لغة القرآن الكريم وسنة الرسول الأمين، أي أنها ذات رمزية قدسية يصعب القضاء عليها. وثانيا: هي لغة بَينِيَّة تحقق التواصل بين ملايين من البشر عربا ومسلمين. وثالثا هي أنها لغة ساحرة بمقوماتها اللسانية والبيانية والبديعية؛ مما يجعل الاقبال على تعلمها اليوم، من طرف ملايين من العجم، مؤشرا على قدرتها وقابليتها للعودة كأداة لبناء الحضارة الإنسانية المشتركة. وأما رابعا: فإن لا أحد من حكام الأمة يجرأ على عدم الاعتراف بها لغة رسمية في دساتيرهم.