بقلم الإعلامي: يونس إمغران
— قامت الدنيا ولم تقعد لحد الساعة، بعد أن تم إحراق “علم” المغرب الوطني بالديار الباريسية مؤخرا. وإذ نستغرب هذه القيامة الأرضية، ونراها غير مناسبة ولا تحمل دلالة على شيء، نسجل أن الانتفاضة التي شهدها الفيس بوك لإدانة هذا العمل الصبياني مفهومة ومنتظرة، باعتبار أن هذا الفضاء الأزرق لا يترك واردة أو شاردة إلا أحصاها، وحوَّلها إلى قضية رأي عام، بعد أن يزيدها من البهارات ما يجعلها مغرية للعين والسمع واللسان. إن الفيس بوك ليس مصدرا للحقيقة، وروادُه ليسوا ثقاتاً، وكثير منهم يفسدون للود قضاياه ومواقفه بما يكتبونه من تفاهات وترهات وأوهام.
لكن أن تقوم الأحزاب وجمعيات حقوق الإنسان عن بكرة أبيها بهذه القيامة، وتصدر بلاغات وبيانات أشبه بتلك التي تصاغ أيام الحروب والفتن، فهذا الذي ينبغي علينا أن نستصغره، ولا نعطي له أدنى اهتمام، بل ولا ينبغي أن ننظر إليه ولو بعين احتقار.
نعم.. إحراق العلم الوطني عملٌ جبانٌ، وفعلٌ صبيانيٌّ، وجريمةٌ منصوصٌ عليها في قوانين الدول وتشريعاتها، وكل من قام به بقصد أو غير قصد، أو دعا إليه في حالة غضب أو هدوء، أو حرَّض عليه بوسيلة مادية أو معنوية، وَجَبَتْ متابعته قضائيا ومعاقبته وفق المنصوص عليه قانونا.. ولا أحد يُستثنى من العقاب في حالة ارتكابه لهذا الجُرم مهما علا شأنه، أو توطدت علاقته العائلية بشخص مُهاب الجانب أو شريفَ النسب. لأن هذا “العَلَم” يُدثرنا جميعا.. حاكمُنا ومحكمونا.. صالحُنا وفاسدُنا.. الشريف والوضيع.. الصادق والكاذب.. التقي والفاجر.
غير أنه ليس كل من هبَّ ودبَّ من الناس قام بإحراق “راية” الوطن؛ ينبغي أن تتصدى له الهيئات الحزبية والمجالس الحقوقية بالتنديد والشجب والإدانة !!! إن واقعة باريس معزولة ولم تقم بها سوى سيدة نَكِرة، لا يعرفها أحد، ولا تنتمي لأي جهة معروفة أو ذات وزن سياسي أو ثقافي أو أيديولوجي.. فلِمَ نعطيها أكبر من قدرها؟ ولِمَ ننشغل بفعلها الجبان الذي كشف عن خستها ولم يحرق سوى أعصابها المتوترة؟ إن آلافاً وآلافاً من “أعلام” و”رايات” وطننا مازالت خافقة في الأعالي، وفي الشوارع، وفي الأزقة، وعلى البنايات والأسطح لم يصلها أي شظية حرق أو نار. ولو كان الفاعل زعيما سياسيا شهيرا، أو منظمة ذائعة الصيت، أو أفرادا من شعب تعد دولته خصما لنا أو عدوا لَجَازَ منا ردود أفعال شعبية وحزبية وحقوقية وغيرها.
ومن ثمة، فإن الوطن ليس قطعة قماش من ثوب، ولا راية ملونة، لأن الرايات والأعلام تتغير من نظام حكم إلى آخر، إذ كلما دخلت أمة لعنت أختها، ولعل دولة ليبيا تبقى مثالا لنا في هذا الصدد. كما أن الوطن ليس صورة شخص، لأن الأشخاص من ملوك ورؤساء دول يموتون ويتعاقب بعضهم على بعض؛ فيقال: مات الملك، عاش الملك. بل إن الوطن ليس عزفا موسيقيا، ولا نشيدا شعريا، ولا بضع كلمات تزرع في نفوسنا الحماس والحمية والعصبية والعزة والفخر والشموخ والاعتزاز بالانتماء إلى أرض بذاتها !!! وإنما الوطن أكبر من ذلك وأعلى.
الوطن دين أكمله الله للبشرية المؤمنة، وأتمه عليها نعمة، وارتضاه لها دون غيره..
والوطن أرض تقام فيه حدود الله وتحترم، ولا يتم تجاوزها بأي حال من الأحوال..
الوطن حقوق وحريات.. حكم راشد، وقضاء عادل، وعدالة اجتماعية واقتصادية، ومساواة بين الناس وتكافؤ الفرص بينهم.. حياة نحياها جميعا بالكرامة والعزة أو ممات بإيمان وكرامة.
الوطن فطرة؛ وهو من صميم الإيمان.. هو بيت ومنزل وأب وأم وأخ وأخت وقريب وجار.. وخاطئ من يجعل الوطن ممثلا في نزعة مذهبية ضيقة أو إثنية أو قومية أو إقليمية.. أو يعتقد أن الوطنية تكمن في العروبة أو الأمازيغية أو الفرعونية أو الحرية أو الحداثة.
الوطن أرضه واسعة ممتدة [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا] (النساء 97/ 99) وهي زائلة لا محالة مهما امتد الزمن بالبشرية، ويبقى العمل الصالح جواز سفر إلى الله تعالى [مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ] (فاطر 10).