بقلم: الإعلامي يونس إمغران
لم يعد أي شك قائما في أن النظام السياسي المغربي عاد يتحرك بثقة وقوة خارج الأوضاع التي انتجها حراك 20 فبراير 2011. بل عاد مصرا على إحياء كل الظواهر السلبية السياسية التي كانت محط انتقاد وامتعاض من مختلف الأطراف العاملة في الحقل الحزبي والجمعوي المدني. ولعل أهم هذه الظواهر: حرص النظام على الاستفراد بصناعة القرار الوطني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والدبلوماسي، وإفراغ جميع المكتسبات السابقة (رغم قلتها وعدم جدواها) من حمولتها وآثارها، شبه الإيجابية، على المجتمع وخريطته الحزبية، وملاحقة كل الأصوات الصادقة التي عرفت بجديتها في السعي إلى تحقيق التغيير الشامل في بنية النظام وعلائقه المخزنية القديمة. ونعني هنا بالدرجة الأولى بعض الأصوات الإعلامية الشريفة، وأخرى حقوقية نبيلة، فضلا عن ثالثة تنتمي للحقل الثقافي والجامعي على وجه الخصوص.
إن تعديل حكومة سعد الدين العثماني بالصورة التي أصبحت عليها اليوم، تقوم حجة مقنعة على أن النظام السياسي المغربي ماض في اتجاه تأكيد الوفاء للخيار الذي يتماشى (في اعتقاده) مع المغاربة؛ دولة ومجتمعا، وهو العهد القديم بجميع معانيه ودلالاته وصوره وأبعاده.
إن مفهوم العهد الجديد – الذي لم يكن إلا شعارا لمرحلة لم تبدأ قط – تلاعب بمجموعة من العقول والضمائر والإرادات، التي كان يسكنها حلم التغيير، بعد أن أوهمها بمصداقيته، وبأنه الخيار المناسب الذي سيقطع مع ممارسات بالية أتعبت البلاد أكثر من 35 سنة، مما أهلك الأرض والبحر والسماء. لكن الذي وقع هو أن البلاد استمرت تتخبط في المشاكل ذاتها، ووفق رؤية تدبيرية قديمة عقيمة وفاشلة، وفي ظل النتائج الكارثية نفسها !.
ماذا تغير اليوم؟ وماذا قدمت لنا الطبعة الثانية من حكومة سعد الدين العثماني التي ولدت أول مرة – أي منذ ثلاثة ستوات مضت – معاقة وغير قادرة على تقديم الإضافة.. لا في الاقتصاد ولا في السياسة.. لا في الأمن ولا في الاجتماع ! لا في رد الاعتبار للعمل الحزبي ولا في التصالح مع المواطن؟؟؟. لذلك نقول أن التعديل الحكومي الذي كُشف عنه منذ يومين تقريبا، إنما يأتي في سياق التأكيد على غياب الإرادة الحقيقية في التغيير، بل وعلى الرغبة في إبقاء الوضع المغربي ببنيته التقليدية كما كان سابقا.. لا عدالة اجتماعية أو قانونية أو قضائية.. ولا أمل في إعطاء الفرصة للغيوربن من هذه البلاد للمشاركة والانخراط في بناء الدولة والمجتمع من جديد؛ وعلى أسس الرشد السياسي، والنزاهة الاجتماعية، والثورة الشاملة على كل أسباب الفساد ومظاهره.
فهل التغيير هو تقليص عدد الوزراء من 39 إلى 24؟ بل لماذا أثقل ظهر الحكومة أول مرة بالعدد الهائل من الأعضاء مادام أن إمكانية تشكيلها صغيرة ومحدودة الحقائب كان ممكنا؟ لماذا إهدار كل هذا الوقت واستعمال خشونة “البلوكاج” قولا وفعلا، بينما كان بإمكان المتصارعين العمل بأعضاء قليلين ومن غير حزب التقدم والاشتراكية وحزب الاتحاد الدستوري؟ وما معنى اللجوء إلى إغراق سفينة الحكومة بأعضاء من خارج الخريطة الحزبية؟ ومتى كان التقنوقراطيون طوق النجاة في بلادنا وتاريخهم تاريخ التجارب الفاشلة؟ ومن سيحاسبهم عند حلول مواعيد الاستحقاقات الانتخابية؟
إن أكبر خلل يزيد من عرقلة تقدم بلادنا إلى الأمام، هو تقليص مساحة الحزبي الممنوحة بنص الدستور، وتوسيع مربع التدبير الحكومي لفائدة فاعلين لم يعرفوا السياسة من قبل، ولا خاضوا غمار الانتخابات، ولا فكروا يوما في مساعدة البلاد بحل مشاكلها من بوابة الانتماء الحزبي !!! فإذا كان الدستور يمنح للحزب الأول الفائز بالانتخابات التشريعية حق تشكيل الحكومة، فما موقع التقنوقراطيين من الإعراب؟ وهل هم فعلا أصحاب كفاءة وخبرة؟ وهل توفر هذين الشرطين يعطي للدولة العميقة الحق والشرعية لتعطيل الدستور وإرجاء العمل بمقتضياته إلى إشعار آخر؟.
إن الخلاصة الجامعة، ونحن نرى دستور 2011 منتهكا نصا وعملا، هي أن يتم توقيف هذه المهزلة درءً لضياع مزيد من الوقت، وتعيين حكومة انتقالية وطنية من جميع الأحزاب، وتكليفها بالتحضير لانتخابات سابقة