بقلم: الإعلامي يونس إمغران
** تشهد بلادنا في السنوات الأخيرة حوادث مؤلمة وصادمة يذهب ضحيتها، موتاً، عشرات من المواطنين. لكن الجاني دائما يفلت من العقاب، ويتم تسجيل القضية ضد مجهول بعد يوم واحد أو يومين، وأحيانا يجتهد البعض ويمدُّ الصحافة الورقية والإلكترونية وعبرها الرأي العام الوطني؛ بأسماء بعض المسؤولين عن هذه الحوادث حيث يتم اعتقالهم وفتح التحقيق معهم والحكم عليهم.
ومن بين أهم الحوادث أو الفواجع التي عرفها المغرب منذ أسابيع قليلة فارطة، فاجعة واد الدرمشان بالراشدية التي انقلبت خلالها حافلة كانت تقل 61 راكبا وخلفت ثلاثين قتيلا، وفاجعة شاطئ النحلة التي خلفت 18 غريقا، وحوادث أخرى يكون سببها قطاع الطرق من المجرمين والسكارى والتي ينتج عنها عشرات من الضحايا إما قتلى أو مغتصبات أو تلحق بهم عاهات مستديمة. وفي كل هذه الحوادث تخرج الدولة بريئة، أو يتم اعتقال بعض الجناة عدلا أو ظلما، في حين تبقى بلادنا مرشحة دائما لتكرار هذه المآسي والفواجع.
والمنطق في مثل هذه الحوادث يستدعي الضمائر ويدعوها إلى أن يُنظرَ إلى الجناة من حيث تحمل مسؤولياتهم ! وترتيبهم إلى درجات ! لأن الجناة الذين يَظهرُ لنا أنهم مسؤولون بشكل مباشر عن هذه الحادثة أو تلك هم ليسوا بالضرورة جناة من الدرجة الأولى، ولا يتحملون مسؤولية مباشرة في قتل المواطنين أو في إلحاق الأذى بهم. لكن هذا الحكم لا يعفيهم من المساءلة والمحاسبة، ولا ينبغي أن يحَوِّلهم إلى ضحايا مباشرين يتقاسمون مع ضحاياهم الأصليين والفعليين حقهم في الحماية والأمن والسلامة.. نعم هم أيضا ضحايا ولكن من درجة دنيا.. أو لنقل بعبارة عادلة: هم مسؤولون وضحايا في الآن ذاته.
ولو كنا في دول تحترم نفسها، وتسعى إلى إرضاء شعوبها، وتحرص على سلامتهم وحقهم في الحياة، لَقَدَّم مسؤولوها استقالاتهم فور حدوث مثل هذه الحوادث !!! لكننا في بلدنا وفي البلدان التي تشبهنا لا يتجرأ المسؤول على تقديم استقالته إذا ما تعرض قطاعه إلى نكسة أو نكبة ! ففي حالة فاجعة واد الدرمشان بالراشدية كان وزير التجهيز والنقل وكاتبه في الدولة معنيان بالمساءلة والمحاسبة والاستقالة لكونهما لم يوفرا البنية التحتية المطلوبة لضمان سلامة الحافلة وراكبيها، إذ لا يخفى على أحد حالات الطرق المغربية المرتهنة للحفر وسوء الجودة وعدم احترامها للمواصفات الدولية. كما كان وزير الداخلية معنيا هو الآخر بهذه الفاجعة لكونه مسؤولا عن حالات التسيب والفوضى التي تشهدها المحطات الطرقية. وعن غياب المراقبة الصارمة، من طرف رجال الأمن والدرك، لمختلف الآليات والعربات والمحركات التي تجول وتدور وتحلق في الشوارع والطرقات وبين المدن دون أدنى احترام للسلامة الطرقية.
وفي فاجعة شاطئ النحلة؛ وقبلها؛ بسنوات طوال، فواجع مراكب “الحريك” التي خلفت لنا مئات من الغرقى والموتى والمفقودين، تبرز لنا أسماء وزراء التشغيل والمالية والداخلية الذين هم مطالبون بتوفير الشغل، وتوزيع الثروة بعدالة وإنصاف، ومراقبة الحدود البرية والبحرية. وإذ يعجزون عن الاستجابة لهذه المطالب فإن مساءلتهم ومحاسبتهم واستقالتهم أو إقالتهم ينبغي أن تكون دستورية وفور وقوع هذه المصائب.
هؤلاء هم المسؤولون الأوائل عن هذه الحوادث المؤلمة الصادمة، ثم يمكننا اعتقال السائقين وأصحاب المراكب المطاطية أو الخشبية البحرية لمساءلتهم ومعاقبتهم، لأن القانون وتطبيقه في وجود الفقر والعجز عن العلاج والجوع وسيادة المحسوبية و”باك صاحبي”؛ وفي غياب المسؤولية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين أبناء الشعب، سيصبح تافها ولا معنى له. بل ولا قيمة له إطلاقا، إِنْ لم نقل أنه هو الآخر وجب مساءلته قبل وضعه في الرغام وتحت الأقدام أو الرمي به في مزبلة التاريخ.
رضي الله عن عمر بن الخطاب الذي أُثِر عنه قولته المسؤولة الخالدة: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها: لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر”.