انشطار الشاعر بين وهج البصيرة وتدجين البصر

قراءة في ديوان الشاعر محمد رحو تقاسيم تحت المطر ـ  ذ. مالكة عسال)

هو المبدع المغربي الشاعر محمد رحو أحد عمال “لاسمير” بمدينة المحمدية من مواليد 1954 بمدينة الدار البيضاء، شاعر ومناضل بما تحمله الكلمة من معنى، يحمل عالم ألام الإنسانية جمعاء في كف، وفي الكف الثانية يحمل العالم المنشطر بالنكبات، وبين العالمين يجوس الشاعر في أقطار ذاته، باحثا عن اليقين، عن رقعة نظيفة.. له ثلاث مجموعات شعرية :

ـ نقوش دامية على جدران المصنع

ـ عرق ودخان

ـ الحربائي

1ـ موضوعات الديوان

يفتح شاعرنا محمد رحو رحابه عن مجموعة جديدة شعرية رابعة تحت عنوان “تقاسيم تحت المطر “ممتدة على 92 صفحة تضم 88 قصيدة ما بين القصيرة والقصيرة جدا، الشيء الذي لم نألفه في دواوينه السابقة ولا لدى غيره من الشعراء، تتميز بعضها بتغييب العناوين بقصدية الشاعر عن وعي ثابت.. فالمتفرس لصفحات “تقاسيم تحت المطر” لن يخرج من مناطقه خالي الوفاض، بل سيخرج بنبذة عن شاعر أصلته انكسارات الواقع، فهبّ لمحاولة التغيير عن يقين أنه سيصل هدفه، مادام مدججا بأسلحة قوية كالحلم والأمل وحب الإنسان.

ـ الأمل

شاعرنا متوهج بالأمل واضعا إياه نصب عينيه، وهو لا يعتمد إلا على نفسه للوصول إلى تحقيق غايته، والحافز هو اليقين دون منازع…

فلماذا تؤاخذين حنيني

لحديقة أبدعها يقيني (ص:5)

لكن أحيانا يتسرب الخوف إلى الشاعر الذين لا يستطيعون رفض الخنوع ومواصلة النضال، فيفقد الأمل الذي يعيش عليه .

من ترى يجسر

فيسمي الأمل

بأسمائه الحسنى

ويقول:

من يُضرم في حطب الخنوع رفضا (ص:9)

وعلى الرغم من كل الهواجس التي تتضخم، فالشاعر لم يفقد الأمل ثانية، بل مازال يراه جوهرة تتلألأ بين حواجبه، وهذا الأمل هو الباعث الحقيقي على مواصلة النضال.

بسيف الأمل

يفقأ عيون اليأس (ص:15)

وحتى حين تتكبده غيمة الإحباط فسرعان ما ينهض متوقدا بلؤلؤة الأمل ويواصل.

لتوقد رؤيا من صميمي

بعد أن كادت الخيبات

أن تخمد ألق الماء (ص:42)

ـ الحلم

فأمل الشاعر مبني على يقي، ولن تكسره أية قوة مهما كان نوعها، ومهما حاولت بطرقها المفجوعة إخماده وطمسه، سينهض من رماده متقدا.. وهذا ما نلاحظه على ظهر الغلاف فالأمل يجسده الشاعر بالضوء الأصفر بين اللونين الأحمر والأسود.. وليس هذا فحسب بل الشاعر له غيرة على المرء أن يعيش مرفوع الرأس، مدركا وقائع الأمور، حاملا مشعل الأمل والمُضِي به إلى الأمام، متخطيا الشعاب الوعرة والمسالك الملتوية، ليصل مشارف النور.

يكفيني أن أراك

رافعة جبين الحلم

صوب الأعالي (ص:74)

وردة الأمل لم تشتعل مجانيا، بل يخاصر الشاعر حلم كبير للقضاء على الشقاء والبؤس، للوصول إلى وضع أنيق بالتغيير تحت مظلة المساواة بين كافة البشر في الحقوق والواجبات.

آه كم هو جميل

أن نمشي سويا تحت الشمس

هنا في شارع الحلم الجميل (ص:50)

وهذا الحلم الكبير يؤسسه الشاعر على أحلام ثورية مُخَطط لها لإصلاح الواقع  .

الأحلام الثورية

الأحلام التي من أجلها

أدمنا السهر (ص:7)

ـ الأسئلة

فالحلم لم يهبط قضاء وقدرا.. بل تؤثثه أسئلة متشعبة متناسلة ومتلاحقة، تسكن الشاعر من هول الواقع المظلم، مهووس بإشعال النور فيه، ويتساءل هل من قوة تَحُد من عزيمته ‘إذا تَمرّدَ ورفض ليطرد ليلا لا ينتهي .

أنا الكبد المجنون بنبتة النور

هل تصدني فتوى منتقمة

هل يثنيني منقار وحشي ؟ (ص:41)

إذن فالواقع الموبوء شد الشاعر إليه بحرارة، ومسألة تغييره رسالة محمولة على كتفيه وفق مبادئ إنسانية، وأفكار متنورة، ويصل التساؤل قمته حين تضيع الرسالة ولا تؤدي دورها .

رسالتي لم تصل

هل ضاعت بين سراديب الفقدان (ص:54)

وتتفرع الأسئلة في جبة الشاعر حد التيه فيتوجه للعابرين للبحث عن الحلول

أجيبوني أيها العابرون

من أين أبدأ

من أين تبدأ خطوتي/التوطئة ؟ (ص: 85)

وهذه مسيرة الشاعر في درب الأسئلة، مؤمنا أنه إذا لقي الجواب، معناه قد انتهى وآتى الوصول، متيقنا أن كل سؤال ينسل من ضلعه سؤال أو أسئلة، وكلّ ما خاض غمارها، إلا وسقط في قمقم أوسع وغائر.. هذه إذن قمة الرؤيا الوجودية الفلسفية، التي طبعت عالم الشعر عند شاعرنا محمد رحو، فكلما تمعن إلا وتتسع رِؤياه، و بالتالي تتفرخ أسئلة أجوبتها في كنه المستحيل.. قس على ذلك، جل قصائده مختومة بتساؤل ليس للبحث عن الجواب فقط، إنما هو أحيانا محط الغرابة أو الحيرة أو التأكيد، وهذه أسمى حيَل الشاعر التي يوظفها بذكاء…

ـ الحقيقة واليقين

فالشاعر منشطر بين أمرين اثنين: حقيقة واضحة وضوح الشمس، وأقنعة مزيفة تحاول طمسها، فما يراه بعينه، ليس هو ما في ذهنه، معناه أن للشاعر أفكارا متنورة، عصارة حقيقة ويقين ثابتين، لكن الظلام المطنب من إديولوجيا معينة تترصد إغباءها .

هل لي سوى أن أنشطر

بين ما يؤجج البصيرة

وما يدجن البصر (ص:77)

ويرى الشاعر أن الحقيقة هي التي تشعل النبض لتحقيق الحلم، حتى تصبح واضحة الملامح بعيدة عن أية مساحيق .

هي جرح لنبض الحضور صلى

ويقول :

وتشكل حلمها الأجمل

ويقول :

بعيدا عن مساحيق الكلام (ص:10)

والشاعر مصر على مطاردة الحقيقة، حتى يقلعها من فم الوحشية بأي ثمن، يهرول وراءها صارخا في وجه من يريد طمرها، فهو يراها نوارة لن تدوسها أقدام، وستبقى منارة تجذب إليها عشاقها .

حبيبتي نوارة

ما أحلاك

ما أصفاك

صرت فكرة ومنارة (ص:83)

ـ الموقف والنضال

لما تغلغل سمُّ الوضع المقهور في عظام الشاعر محمد رحو، وانطرحت عليه أسئلة مبهمة عاسرته في إيجاد حلول لها، اتخذ مرقفا، وهو شن الحرب على الزمن السليط حتى النصر، ولن يصده حاجز أو يمنعه مانع، فهو النهر الذي نبع من حلمه الأول، ليواصل السير في مجراه نحو البحر المصب .

أنا الهر

منذ النبع كنت انساب

ويقول

لن تقف دوني

وحبيبي السدود (ص:29)

فكما لا يقطع الحديد إلا الحديد، ولا يقطع الماس إلا الالماس، فكذا الحرب لا تقضي عليها إلا الحرب، أي النضال، هذا الاختيار الصعب للخروج من الأزمة .

وهل لك من فكرة

لتفك لغز قيدك

سوى أن تنتعل الجمرة

وتسرج حصان الاختيار الصعب (ص:56)

تصطلي الشاعر حمى النضال، حد خروجه لوحده والسير في دربه، كيف لا وهو المسكون بغد مشرق مُلح، وفق مبادئه المشتعلة في الوجدان وفي الضمير .

لو لم يضرب

كنت وحدي أضربت

ويقول :

بل لأني ألا يستند

إلا مبدأه (ص:65)

النضال قمة عشق الشاعر، اجتاحه من حبه للفقراء حد إسكانهم جوانحه، حد إطعامهم قلبه، فالشاعر مهووس بهموم المهمشين، وفيا لهم، عازما على الذود عنهم، حتى تحقيق حلمهم، وله من الأدوات ما يكفي لذلك، له الحب والأمل والصوت والإصرار، والعزيمة والنضال، وهذه الخصال مجتمعة هي الحافز الحقيقي على تحقيق الحلم الأخير .

قلبي مأوى الفقراء

بين جوانحه يسكنون

ويقول :

إن كانوا يعرفون

أني الشهيد المياوم

فداء لرؤياهم (ص:81)

ـ الإصرار

على صهوة الصمود والإصرار والتحدي والعناد، وعدم المساومة، يسرج الشاعر خيوله للمواصلة، وفيا لمبادئه، لا تخور له قوى، ولا ينعطف له سبيل عن المقاومة، ولا يتخلف عن موعد الرفاق، عازما عن المضي حتى النهاية، تلبية لصوت يناديه .

سأقترف ما تيسر من خطو

يؤسسه نداء رؤياي (ص:75)

لاحظوا هذا التحدي المطلق، ولغة الإصرار التي يحملها الشاعر كسلاح يشهره ضد بعض الرؤى الإديولوجية الساقطة المتكالبة بوحشية، لتطمس الحقائق المشتعلة .

بيني وبينك

نخلة الحضور العصية

عن ألف عاصفة وحشية (ص:78)

ولو يسقط الشاعر فمازال له خلف سيحمل المشعل من بعده وهنا يوجه كلامه إلى المستبدين أنه ولو احترق الجذع فستنبت له فسائل جديدة خضراء والمقصود رفقاء الدرب، وأن ما يقومون به من تنكيل وتعذيب، ليس إلا إرهاقا لأعصابهم .

هو قميص النور المسحور

كلما خلعوه من حلم متقد

هب من تلقائه واتقد (ص:84)

ـ الشاعر الداعية

تفاقمت هموم الشاعر حسب تفاقم الواقع من خلال وعي معرفي تحليلي للأسباب المؤدية إلى الانهيار، وتأججت لحظات حماية مناهضة، باعثة عن التغبير، فدخل زوبعة التحدي كشاعر داعية من حافة ثانية، حكيما مرشدا ناصحا موضحا أن الأمور لا تأتي مكتملة دفعة واحدة، بل هي تنمو نطفة من أصغر حلقة

كلمة كلمة

ويكتمل النداء (ص:70)

منتقدا بعض الأذهان الفارغة التي يعصف بها الجدب، والذين كبدتهم سنوات الاعتقال عذابا شديدا فتنحوا عن المسار، وأصبحوا مجرد خشب مسندة ..

لكن نفسي نزفت دهشة

حين مددت له يد القلب

فمد لي خشبة صماء (ص:80)

وهذه لمسة استهزاء وسخرية بالذين تنكسر شوكة التحدي في منتصف الطريق بأول سوط ينهال عليهم

وهنا يبين لنا بالواضح أن النضال الحقيقي، هو المواصلة أو الموت ولا حل بينهما.. كما يدعو المرء للتفكير في جوانب الحياة ليكتشف بنفسه مطاويها، ليصل وحده إلى النتيجة، أو الهدف المنشود..

هيا

خذ وحدك الصحراء

وعد بواحتك الخاصة (ص:6)

ـ الشاعر الوطني القومي

فالشاعر عشق وطنه حتى الجذور، وطن الصفاء والحقيقة. وعِشقُه مستمر ولن يفنى مهما حاول الخائنون وأده، وهذا صوت مبعَد مبتل بالحنين والأشواق.

أود لو أموت

فوق صدر هذه البلاد

ويقول:

صدرها الذي توهم الخائنون

ان وأد أشواقه سهل (ص:76)

وتأخذه الغيرة على بلاده التي مازالت تحتضن أفكارا موبوءة، ستعصف بوحدتها، وعلى أنقاضها سيتفرق الشمل..

في بلاد ما فتئت تسهر

على تربية المستنقعات (ص:64)

فالشاعر مغموس في هم الفقراء حتى الشرايين، مجروح بما لاقاه رفقاء دربه، كما لم ينس الشهداء منهم، وهذه وردة رثاء لأحد الشهداء من مسحتهم جرافة التسلط، لكن جمرته مازالت ملتهبة، لن يطفئها جبروت..

هل يمكن أن يطفئ الجلاد

صوتك الشمسي الانتماء (ص:79)

ويهبط إلى الأطفال الذين يعيدون كتابة التاريخ بدمهم، ليرجعوا إليه توهجه وللأمة كرامتها ليحضنهم بأذرع القصيدة ..

الصغار الذين يهدمون

هيكل التاريخ ويبنون (ص:22)

فنحن نتنفس من خلال مجموعة الشاعر محمد رحو “تقاسيم تحت المطر” شاعرية مجبولة بمتاعب الإنسانية جمعاء دون حدود، يناهض فيها العنف والشقاء والفقر والقتل، بدءا من والواقع، مرورا بالأمة العربية، وقوفا على العالم بأسره.. فحين نقرأ أي نص لا نستهين صلاحيته لكل بقعة من هذا الكون، وهذه ميزة أخرى طبعت شعره بصفة عامة…

2ـ الجانب الفني

شاعرنا محمد رحو، لا تعانده اللغة في تطويعها وجعلها رهن إشارته، يقول لها قومي فتقم، فحنكته البارعة، ودربته على التلاعب بألفاظها تحليلا وتركيبا، مكنته بفنية عالية من طرق باب الشعر الخطف /الومضة، أو الصدمة الكهربائية، فهو بكمشة من الكلمات يختزل العالم كله، ناشئا طقوسه الخاصة من رؤياه الواسعة للواقع، والقضايا الإنسانية بنظرة فلسفية ترميزية، منتهجا درب السهل الممتنع.. فنصوصه تصاحب القارئ، ولا تمانعه في الكشف عن مفاتنها المتخفية بين السطور.. لاحظا كيف يتماهى الشاعر مع اللغة، يعصرها تارة، يخاتلها أخرى، وثالثة يُرَكبها في حلة عقد لؤلئي بهي وفق ترتيب يَفتُن، فالنص أحيانا لا يتعدى سطرين أو أربعة، يجمع بين حاضر الإنسان وماضيه ومستقبله، موازيا بين النظرة الاجتماعية، والفلسفة الوجودية التأملية ..

في بلدة بيروقراط

غمر الكذب الحقيقة

فغاضت بغمها الرفيقة

وجن الحكيم سقراط (ص:62)

ـ التكرار

شاء الشاعر أن يرش قصائده بالتكرار، لكن ليس تكرارا عبثيا وُظِّفَ بطريقة مجانية، بل مفاده الإلحاح والتأكيد، لتضرب كلمته مباطن النفوس ..

هي جرح لنبض صلى

هي بوح جرحى وقتلى

هي جرح لا ينثني (ص:10)

ـ الصور الشعرية

يهلهل الشاعر قصائده بصور شعرية لا تعرف فرسانها الحرن، شفافة بلورية، تطل من زجاجها على معاني عميقة، ودلالات متناسلة ..

باع حبيبته وامتطى

زورقا يزهو بالنجاة

أطفأ لؤلؤة السر وانطفأ (ص:43)

فالمتجول في حديقة هذه المجموعة الشيقة، يجد صورا شعرية تتقافز كأسراب الطيور الملونة، منطلقة من حدس قوي، ومشاعر جياشة، وأخيلة باتساع البحر، تتدفق شاعرية مكتنزة ليس لها حد ..

ـ الاختزال

شق الكاتب درب الكتابة بصيغة “ما قل ودل” معتمدا تكثيف المعنى في ندرة المبنى، حيث تتفرع في قصر مقامات القصائد، تجاويف وشعاب تتسع لأكثر من مقصد وأكثر من دلالة…

من سرير الصحراء

ستنهض البطحاء (ص:44)

وهذه قمة حدلقة الشاعر في مراوغة اللغة، ليس لاستفزاز القارئ، ولارغبة في التلذذ والمتعة.. ولكنها ولادة تلقائية انفردت بذاتها دون إذن من الشاعر، فارضة نفسها عليه بمحمولها الأصلي الطافح الممتلئ…

ـ الترميز

يغوص الشاعر في الترميز حده وفي المجاز أقصاه وفي المتنافر أشده، ليعري عن موت الحقيقة وسقوط التاريخ الذين تغشاهما إديولوجيا مزيفة، بأسلوب بلوري شفاف، يعكس قدرة الشاعر على صياغته بسهولة…

فوطني يحترق قدامي

بعيون الأعمى المبصر (ص:89)

ـ الإيقاع الموسيقي

إلى جانب ذا وذاك، فالقارئ لقصائد الشاعر محمد رحو، ينبهر لارتجاجها ما بين الإيقاع الداخلي والموسيقى الخارجية حد الطرب، بسمفونية متموجة تنفرد بلمسة إيقاعية رقيقة، تتموج برنات متنوعة تضرب مسامع الأذن، وتتوالى الترنمات مشكلة اهزازا على نحو فريد منذ البداية حتى النهاية، تخلق متعة جمالية يأبى القارئ إلا أن يعيد قراءتها أكثر من مرة ..

مشنقة للعاشق

مشنقة لحلمه الرائق

مشنقة للصادق (ص:82)

بقصدية أو بغير قصدية، فهذه النغمات المُلفِتة، أضفت نوعا من جمال الروح على القصائد بغض النظر عن وحدتها الفنية في المبنى والمعنى، فأنا لو كنت بحق ملحنة، لقمت بتلحين قصائده التي تستحق كل العناية للتغني بها وإيصالها إلى مسامع الجمهور…

ـ المعجم اللغوي

فالشاعر محمد رحو شاعر مناضل، جاب الواقع الموبوء من أدناه إلى أقصاه، صارخا ضد التهميش، رافضا أساليب التعذيب والنفي والقتل والزجر والاعتقال، راثيا رفقاء الدرب والشهداء، نافرا من الحروب، مواسيا المبعدين والمنفيين، منددا بشدة التهميش والتفقير، منتقيا معجما يناسب ذلك: ذبحت ـ قتلى ـ مقاوم ـ سلاح – حقيقة ـ أنحني ـ مشنقة ـ رفاق – شامخ ـ فداء – جبناء ـ ثورة ـ عصيان – صمود شهداء – واللائحة تطول ..

من خلال ما تقدم ننساق بسهولة إلى سِر اختيار الشاعر لوني الأحمر والأسود على ظهر الغلاف: فالسواد رمز للعتمة المطنبة، التي تكتنف العالم من جراء الحروب وسياسات الهيمنة، واستفراد الأنظمة القوية بالشعوب المستضعفة، والسياسات المنتشرة لقهر البشرية كالتجويع وتفشي القهر.. والأحمر ويقصد به الشاعر الدم الراعف جراء القتل والاستشهاد، ونيران المدافع والحرائق، كل هذا لم يغب عن الشاعر لحظة واحدة، ففجّرَه في قصائده قطرة قطرة، بكلمته الرصاصة، كشاعر غاضب ثائر متمرد على كنائس الضوء المنطفئة، التي أشعلت الظلمة في كل المناحي، شاعر عرف كيف يعمل على تضافر رؤى، يتشابك فيها الوجدان الفردي بالبعد الإنساني والوطني والكوني، مؤمنا باختيار راسخ لتجربة متميزة تتجلى في دفقته الشاعرية، وحدسه القوي تجاه الواقع المر الذي هو مركز الدائرة وحوله يدور المتن الشعري…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد