بدون تقييم ماضي التجربة وحاضرها، يصبح التطلع إلى الأفق مجرد هروب إلى الأمام

بقلم / الأستاذ سمير أبو القاسم 

لقد كان المهم في مثل هذه الظروف والسياقات التي تعيشها الساحة السياسية، أن يتفرغ المناضلون والمناضلات للتحديات التنظيمية المطروحة على أجندة الحزب، وأن ينصب اهتمامهم على التباري من أجل احتلال مواقع متقدمة داخل أجهزة الحزب في محطات إعادة الهيكلة التنظيمية، وأن ينخرط الجميع في بوثقة التنافس وإبراز القدرات والكفاءات في إطار التمارين الديمقراطية الداخلية التي تعمل على صقل المهارات والمؤهلات.

لكن الأهم، كان يتمثل في التوجه إلى الاشتغال، ورفع التحديات، والمساهمة في تطوير الأداء السياسي والتنظيمي للحزب. والترفع عن ممارسات وتصرفات قد تضر بالحزب أكثر من الأشخاص، خاصة وأن الساحة السياسية تعج بالمتربصين والحاقدين وأعداء النجاح.

لكن للأسف، فقد مرت سنة كاملة على محطة إعادة تشكيل المكتب السياسي واستبدال الأمانة العامة بما لها وما عليها، دون التوجه رأسا إلى العمل على أجرأة “خارطة الطريق” المقترحة، من أجل توفير شروط مساهمة الحزب في تشكيل ميل واتجاه داخل المجتمع نحو رؤية الحزب السياسية، ونظرته لقضايا الدولة والمجتمع، والالتفاف حول أدبيات الحزب، وفرض الالتزام بقواعده وضوابطه التنظيمية، وتنسيق علاقات مناضلاته ومناضليه وأسلوب عملهم ووسائل اشتغالهم لتقوية النشاط الحزبي الداخلي والإشعاعي، وتقوية قدرتهم على العمل والنشاط اليومي والدؤوب في سبيل أهداف الحزب وأولوياته.

علما بأنه كان على الجميع العمل على إقامة حد أدنى من العلاقات التنظيمية والسياسية السليمة لتنسيق توجهات وحركة المواطنين داخل المجتمع، وتشكيل قيادة جهوية وإقليمية ومحلية قادرة على تجسيد صورة تنظيم سياسي محترف يقود نضال الفئات والشرائح الاجتماعية التي يراهن عليها الحزب.

فالجهوية حزبيا آلية من آليات الممارسة الديمقراطية، من خلالها يمنح الحزب صلاحيات لوحدات ترابية، من أجل تدبير الشأن التنظيمي والسياسي الجهوي، بنوع من الاستقلال المالي والإداري، في إطار وحدة التنظيم.

والجهوية بهذا الشكل تعتبر جنينية في التفكير السياسي المغربي، والتحولات التي عرفها مجتمعنا في الآونة الأخيرة. فبقدر ما يكثر عنها القليل والقال، بقدر ما تبتعد عن أن تصبح نمطا من أنماط التدبير العقلاني للمجتمع، وتتحول إلى آلية لتصريف الصراعات العرقية والإثنية والثقافية واللغوية…

وحسب اعتقادي المتواضع، لا زلنا بعيدين كل البعد عن تعريف الجهات بالوحدات التي تتموقع تحت مستوى القيادة المركزية للحزب، والتي تتمتع بتمثيلية سياسية مضمونة بوجود مجلس وأمانة جهوية منتخبين.

ولا زال يخيم على فكرة الجهوية، بشكلها البدائي، منطق الانصياع من ناحية، ومنطق السيبة من ناحية أخرى، حسب خلفيات النزعة النفعية والميل إلى تحقيق المآرب بين القيادة المركزية والقيادة الجهوية.

فالحديث عن الجهوية، باعتبارها مشروعا استراتيجيا، يقود إلى الحديث عن الفئة الاجتماعية القادرة على تفعيل هذا المشروع. غير أن هذه النخبة في مجتمعنا لا زالت تعبر بالملموس عن كونها غير قادرة على تنزيل هذا المشروع على أرض الواقع، بالنظر إلى ضعف موقعها داخل المجتمع، وبالنظر إلى عدم امتلاكها للوسائل التي تؤهلها لبلورة مشروع الجهوية على أرض الواقع، وبالنظر إلى كونها انغمست في وحل التخلف وتمظهراته. وهنا يكمن الإشكال.

فإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد حقق في السابق بعض الانتصارات السياسية، فإنه بعد التجديد الأخير لقيادته، كان بحاجة إلى أن يشكل قوة تنظيمية، يسعى أفرادها إلى التعاون فيما بينهم للمشاركة في تدبير الشؤون السياسية العامة. لكن رياح الأمانة العامة الجديدة سارت بما لم تكن تتطلبه ضرورة الحزب في تقوية بنائه التنظيمي وتعزيزه، وهو ما تسبب في هذا التصدع الذي نعيشه اليوم.

وبذلك نكون أمام خلاصة مفادها أن دورة المجلس الوطني الاستثنائية لحزب الأصالة والمعاصرة لم تشكل محطة فارقة من حيث التعبير عن الإرادة في إعمال الديمقراطية الداخلية كمحرك أساسي، وهو ما أسقطنا في فخ الارتهان مرة أخرى لما يميز مجتمعنا من نقص كبير ومؤثر على مستوى التشبع بالثقافة السياسية والديمقراطية والحقوقية.

كما أنها لم تكن محطة للتأشير على بروز منطلق للوعي لدى المناضلات والمناضلين بمكانتهم وحقوقهم وواجباتهم تجاه تنظيمهم الحزبي، والشعور بمسؤولياتهم على مستوى المساهمة في تحقيق مصير أدائه السياسي والتنظيمي والتواصلي والإعلامي والتكويني…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد