روبورتاج بقلم الاعلامية فاطمة النوك
الحديث عن حضور النساء في الفضاء العام، يقود رأسا الى كل أشكال العنف الممارس ضدهن بهذ الفضاء، الموسوم بالذكورية وبالصراع.تواتر حوادث الاغتصاب، والعنف الجماعي، والتحرش على الرغم من دخول قانون العنف ضد النساء حيز التنفيذ، يطرح أسئلة الثقافة و السياسات العمومية، وتهيئة الفضاءات الحضرية بشكل يضمن الولوج الآمن والمتساوي بين الجنسين للفضاء العمومي.
قبل سنة من اليوم، وفي سياق تخليد اليوم العالمي للعنف ضد النساء، دشن مكتب الأمم المتحدة بالمغرب ووزارة التنمية الاجتماعية المرأة والأسرة مشروع “الرباط، مدينة آمنة، بدون عنف تجاه النساء والفتيات”، هذه المبادرة، التي تشمل 22 مدينة حول العالم، من بينها مدينتي الرباط ومراكش، تسعى إلى إيجاد مقاربات من أجل جعل الفضاء العمومي أكثر أمانا للنساء.لكن ما الذي يجعل هذا الفضاء العام عنيفا تجاه النساء، وكيف يمكن تفسير الحوادث المتواترة للعنف والتحرش والاغتصاب وعشرات الشهادات التي تفضح منسوب العنف المتزايد، وتعمق سؤال وجود النساء في الفضاءات العمومية…قبل أيام قليلة شاهد المغاربة تفاصيل اعتداء اغتصاب حي ومصور على فتاة شابة، وقبلها بشهور قليلة، تفرج العالم على فضيحة اغتصاب فتاة معاقة في حافلة عمومية، وقبلهما أحداث من مختلف مناطق المغرب، لاعتداءات على الفتيات بسبب مظهرهن أو تواجدهن في فضاءات عمومية، يتم فيها اقصاؤهن وتعنيفيهن …
“ككل الناس صدمت من منظر الاغتصاب المباشر المعروض للفرجة الذي تداولته مواقع التواصل الاجتماعي”، تقول لنا لمياء طالبة جامعية “وصدمت لمنظر الاغتصاب الجماعي لفتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة، في حافلة نقل عمومي، أمام مرأى ومسمع من السائق والركاب..وأصدم دائما في الشارع العام، بأساليب التحرش الموغلة في العنف والعنجهية، والتي يعتبر أصحابها أنهم يمارسون حقا مشروعا ، للتحكم في المرأة وفي الشارع كمجال سيادة محفوظ”.تلتقط زميلتها سحر، خيط الحديث، لتضيف أن ” المثير للملاحظة فعلا، ان المتحرشين يعتقدون بصدق، أن المرأة تسعد بالتحرش، وتطلبه كدليل على الجاذبية ويطلبنه، وفي حال عدم التجاوب مع التحرش، ينتقل الأمر الى السب والشتم والتحقير”. في حالات كثيرة تم تسجيلها، ينتقل الامر الى العنف المباشر، الذي يرفع أصحابه يافطة تغيير المنكر، وفي هذا السياق، لا تزال ذاكرة المغاربة منتعشة بحكايات الاعتداء على فتاة خلال شهر رمضان بمدينة وجدة، او ما عرف بفتاتي انزكان، بسبب ملابسهن “غير المحتشمة”، وغيرهن.و انهن مستحقات للعنف الممارس عليهن، بسبب مظهرهن وملابسهن وتواجدهن في أماكن لا تسمح لهن بذلك.اعتلال العلاقة بين النساء والفضاء العمومي، سبق أن أعطت بخصوصها المندوبية السامية للتخطيط مؤشرات دالة، مفادها ان النساء لسن دائما بأمان في الفضاء العام خاصة في المدن ولا يستطعن التمتع بدرجة متساوية مع الرجال بهذه الأماكن بسبب العنف بجميع اشكاله .
اذ أن نسبة العنف ضد النساء في المجال الحضري، تفوق بكثير نسبته في المجال القروي. معطى عززه أيضا، التقرير الذي أنجزه المرصد الوطني للعنف ضد المرأة، حيث أفاد بأن 53 بالمائة من العنف الجسدي و66 في المائة من العنف الجنسي ضد المرأة يمارسان في الأماكن العمومية.
ان الربط بين العنف كظاهرة وبين الفضاء العمومي، هو ربط جوهري تقول لنا أمينة اليملاحي فاعلة حقوقية، اذ يبدو في أحيان كثيرا العنف في الفضاء الخاص ليس الا امتدادا للعنف في الفضاء العمومي، والذي يترجم عمق النظرة الى الجنس الآخر، وبؤرة التمييز الممارس ضد النساء.
هل تتعرض النساء للعنف في الفضاء العمومي أكثر من ذي قبل، سؤال طرحناه على عدد من المستجوين، دون أن تخرج الإجابات عن معطين رئييسين : أن العنف كان دائما موجودا غير أن التطور الملحوظ لوسائل التواصل وشبكات التواصل الاجتماعي سمح بنشر وتداول الصور والفيديوهات، التي تشهد وتوثق العنف تجاه النساء، أو تدعو لمواجهته.بينما يميل المعطى الثاني لكون الظاهرة تسير في منحى تصاعدي معززة بالأرقام، بفعل تغييرات كثيرة منها النمو الديموغرافي والبطالة والأمية والهدر المدرسي..
ماهي اشكال العنف التي تتعرض لها المرأة في المدينة ؟ “حين تكون المرأة وحيدة تتعرض لتعليقات بذيئة، أوانتقادات مرتبطة بجسدها بالدرجة الأولى، ملاحظات تهم نوعية اللباس، ونظرات شهوانية جنسية، تتعرض للمس الجنسي واحيانا عنف، تشرح لنا خديجة ناشطة جمعوية..الملابس بالنسبة للمتحرشين هي أساس للحكم على الأخلاق، وهناك متحرشون بفتيات ونساء يكن بصحبة آبائهن أو اخوتهن..الفتيات أصبحن أكثر وعيا بحقهن في الشارع، ويفرضن أنفسهن، لكن هناك كثيرات لا يستطعن ذلك، تشرح لنا خديجة..لعل هذا ما أشار اليه الانثروبولوجي محمد جنجار في حديثه عن العلاقة بين النوع والعنف والمجال العام، موضحا ان تدبير هذا الوضع يفرض على النساء والفتيات، اتخاذ استراتيجيات لولوج الفضاء العام، ومنها اختيار نوع اللباس حسب الأماكن: بين المحيط القريب وفي خارج المركز، لأن هناك رقابة اجتماعية تمارَس في الأماكن القريبة من البيت.بينما يجب أن يكون الرهان هو: أي مدينة نريد”.
حضور النساء في الفضاء العمومي هو حضور مهم بما يكفي ليكون هذا الفضاء محايدا، حرا ومحررا لقدرات النساء، لكن الاعتداءات والاقصاء.. التي تتعرضن لها، ترتبط بالمواضعات الاجتماعية التمييزية التي جعلت من المدينة فضاء جنسويا، وتعتبر الباحثة في علم الاجتماع صفاء منقد ، أن المدينة من حيث التهيئة “تبدو عنيفة وذكورية مصممة ومهيئة من قبل الرجال ومن أجل الرجال. وهي تستجيب لاحتياجات الرجال وانتظاراتهم.. معتبرة أن السياق الحضري في المغرب يعيد انتاج التفاوت بين الجنسين، فيما يهم الحركية والتنقل التجوال، استعمال المرافق انه يوضح لنا كيف يعيش كل جنس، ويستهلك المدينة بطريقته : في العمل، السياسة ،الهوايات، التجمعات في الاحياء، .. ويتصرف حسب المواضعات والقيم التي يوحي بها هذا التقسيم.
العنف لاعادة السيطرة على الفضاء الخارجي
اذا كان هناك مؤشر دال على التغيير المجتمعي المغربي ، فهو اقتحام النساء للاماكن العامة، وفي ثنايا هذا التغيير وما يطرحه من مستويات ، يكمن القلق والتوتر الناجم عن زعزعة الدعائم القديمة للسلطة بين الجنسين، اذ ان نسبة هامة من الرجال ترى في اقتحام المرأة للمكان العام وتحمل المسؤوليات =البسيطة والهامة =في مجاله، مجرد تضييق عليه.
وهو تضييق يعكس في مستوياته البعيدة، تشبث الرجل بامتيازاته التاريخية، والصراع الخفي الدائر حول هذه الامتيازات، ومنها الحق في امتلاك المكان العام، وهو حق اذا نالته المرأة، ينعكس على موقعها داخل المجال الخاص.من هنا غياب الأريحية التي يمكن أن تستهلك بها المرأة الفضاء العام.
انتشار العنف في الفضاء الخارجي، يحيل على تحليل أعطاه عالم الاجتماع عبد الصمد الديالمي، حول الاعتداء على فتاة الحافلة، ومفاده، أن الرجل المغربي بصفة عامة، يشعر بأنه معتدى عليه في مجاله الأم، الذي يعتبره ملكا له، وان المرأة دخيلة عليه، وتقحم نفسها فيه.بنفس الوقت يعتبر أنها ليست في مكانها، مع أن المبدأ هو أن تكون في الشارع العام ، وتستهلكه بكامل الحرية وبنفس المساواة مع الرجال.. هذا هو المفروض في دولة عصرية حداثية، لكن الرجل المغربي لم يستوعب أن المجال الخارجي عمومي ومشترك، وعدم هضم هذه القيمة الحداثية، تجعل الرجل يرى المرأة دخيلة مستفزة، معتدية عليه، بالتالي يستعمل العنف الجنسي بكل أشكاله من أجل ردع وتذكير المرأة انها مجرد انثى امرأة، وان مكانتها ليست في الشارع، واذا خرجت للشارع، فعليها أن تحترم بعض القواعد.هذا هو المنطق العام.يضيف الديالمي لهذا التفسير، معطى أخر هو وجود نموذج اسلاموي سائد او بالأحرى بطريركي ابيسي، وبالتالي فالرجل العادي يعبر عنه من منطقين : منطق أبيسي باطريياركي ومنطق اسلاموي وليس إسلاميا.هذه الخلفية الاسلاموية ، يرأي الديالمي دائما، تعززت بوجود حكومة اسلاموية..و”هناك ضوء أخضر غير رسمي، وغير مرئي، يعطي للرجال الإشارة لاعادة السيطرة على المجال العام، والعنف الجنسي ليس الا أحد اشكاله”.
في الجذور التاريخية
تقسم أستاذة علم الاجتماع صفاء منقد، الفضاء بالمدينة الى فضاءات : فضاءات ذكورية أخرى نسائية، فضاءات مسموح بها، أخرى متسامحة تجاه النساء، وفضاءات ممنوعة عليهن..وهذه التقسيمات تبين بدرجة ما الاختلالات الحاصلة بين الجنسين.
وتعود صفاء منقد الى بنية المدينة في المجتمع التقليدي، التي كانت بقطبين : عالم خارجي عمومي، مخصص للرجال، وعالم داخلي خاص للنساء.. ان هذا التقسيم يترجم حسب الباحثة الأدوار الاجتماعية المسطرة لكل جنس على حدى. “لقد كانت النساء تعيش في الخفاء ويعرفن في الفضاء الخاص كفضاء مقدس للخصوصية لا يتم اختراقه. الازقة والدروب الصغيرة في المدينة، كانت امتدادا للفضاء الخاص بالنساء، تشير الباحثة أيضا لكون طبيعة المساكن نفسها، كانت منظمة بشكل يدور حول مبدأ الانغلاق.
الفضاءات الممنوعة على النساء كانت كثيرة ، وفي بعض المناطق القروية، كانت هناك أسواق ممنوعة على النساء، ومع التغييرات الحاصلة مع عصرنة المجتمع، ظلت هته الفضاءات الذكورية صعبة الولوج والتملك بالنسبة للنساء، أو يتم النظر الي حضور النساء بها بشكل سلبي. ضمن هذه الأماكن، المقاهي الشعبية، الحانات، الملاعب، صالات اللعب..، وعلى العكس تم ربط الحضور النسائي بأماكن أخرى،هي الحمام، السوق، صالونات التجميل، متاجر التسوق..بالتالي تقود التقسيمات لفكرة أنه على المرأة أن تركز على الاعتناء بجسدها ليكون جذابا مشتهى أمام الرجال، ويصبح مادة للاشتهاء و للاستهلاك .
أول قانون للعنف
دخل قانون العنف 13-103 حيز التنفيذ قبل بضع أسابيع 12 شتنبر، بعد جولات طويلة من النقاش والمد والجزر، القانون الذي تعتبره الوزارة الوصية ثورة في القوانين ذات الصلة بالنساء، شككت الجمعيات النسائية والحقوقية في قدرته على القضاء على العنف الذي يطال أزيد من ثلثي المغربيات، وحملته الكثير من الانتقادات تبدأ بعدم تدقيق مفهوم العنف استنادا للمرجعيات الدولية كما هي في الدول المتقدمة، والإبقاء على تعريف عام ومقتضب للعنف، سيؤدي إلى الإفلات من العقاب بشأن أفعال العنف التي لا يشملها التعريف، إضافة الى غياب الإجراءات الحمائية والوقائية والزجرية الكفيلة بحماية المرأة من العنف،و تغييب مسؤولية الدولة في محاربة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
المصادفة وحدها من جعل تطبيق القانون الأول من نوعه، تتزامن مع حالات لا تعترف بالقانون، و يلزمها مقاربات أخرى قد تكون نفسية وتربوية.. حالة الفيديو الذي تم تداوله مؤخرا والذي يصور اغتصابا، يعتبره عبد الرحيم اعلامي، اغتصابا مزدوجا متسائلا عن جدوى العقاب، ومشيرا الى تجاوزات أخرى تحدث أمامنا رغم تجريمها.يذهب عبد الرحيم مباشرة الى ثنائية القانون والعقليات، معتبرا أن حضور النساء وتواجدهن في المجال العمومي كشف قصور هذا الفضاء عن استيعابه للقيم المؤطرة في النصوص القانونية، ما يؤكد أن مسافة كبيرة تفصل النص القانوني او الديني عن الواقع، لأن هذا الفضاء يشبهنا، بالتالي سنجد نفس العقليات والسلوكات، التي لا تتعامل مع حضور النساء بالاريحية الممكنة.
حق التواجد في الفضاء العمومي كفرد مواطن، لا تحميه العقليات التي تكون متأخرة عن القوانين، لكن لها شفرات وقوانين غير مباشرة تستند بشكل خاص على صور نمطية واحكام قيمة، والتي ترى في الرجل في الفضاء العام “رجل عام”، والمراة “امرا ديال الزنقة”.
ليس علينا التسليم أو القول بعدم جدوى القوانين، يحذر عبد الرحيم، من فهم ملتبس، ومستحضرا احد المستجدات التي جاء بها قانون العنف، وهي تجريمه لفعل التحرش بأي وسيلة كانت، بما في ذلك الرسائل المكتوبة أو الهاتفية، أو الإلكترونية أو من خلال صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية، عبر وسائط التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك أو واتساب.لكن هذا التجريم لن يمنع من وجودها، لكنه سيجعلها موضع تساؤل وحذر واحتياط قد يقلص من استهلاكها.
قانون العنف ، بعض المستجدات..
الاختطاف والاحتجاز..
نص القانون الجديد على رفع العقوبة السالبة للحرية، إلى السجن من عشر إلى عشرين سنة إذا ارتكب الاختطاف أو الاحتجاز من طرف أحد الزوجين أو الطليق أو الخاطب، أو أحد الأصول أو الفروع أو أحد الإخوة أو الكافل أو شخص له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلفا برعايته، أو إذا تعرض الضحية لعنف آخر كيفما كان نوعه، وكذلك السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة في الحالات المنصوص عليها في الفقرة الثانية الفصل 436 من القانون الجنائي، التي تنص على العقوبة بالسجن من 10 سنوات إلى 20 سنة، إذا استغرقت مدة الحبس أو الحجز 30 يوما أو أكثر
سب المرأة ..
خصص القانون الجديد عقوبة خاصة على السب المرتكب ضد امرأة بسبب جنسها بغرامة مالية من 12 ألف إلى 60 ألف درهم، كما يعاقب على القذف المرتكب ضد المرأة بسبب جنسها بغرامة من 12 ألف إلى 120 ألف درهم.
التحرش..
جرم القانون الجديد فعل التحرش، وأفرد له عقوبة تبتدئ من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة من 2000 إلى 10 آلاف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين لكل من أمعن في مضايقة الغير في الأماكن العامة، أو غيرها بأفعال، أو أقوال، أو إشارات ذات طبيعة جنسية، أو لأغراض جنسية..أما إذا ارتكب فعل التحرش من طرف أحد الأصول أو المحارم أو من له ولاية أو سلطة على الضحية، أو مكلفا برعايته أو كافلا له، أو إذا كان الضحية قاصرا فإن العقوبة تبتدئ من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة مالية من 5 آلاف درهم إلى 50 ألف درهم.
مستجد آخر جاء به القانون الجديد، هو تجريمه لفعل التحرش بأي وسيلة كانت، بما في ذلك الرسائل المكتوبة أو الهاتفية، أو الإلكترونية أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية، وهو ما يعني أن التحرش عبر وسائط التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”واتساب” أصبح مجرماً، ويقود للسجن، والعقوبة قد تصل إلى خمس سنوات سجنا.
مبادرات مقاومة للعنف في الفضاء العام
مي تو، ما نشوفوش ، ما سكتاش، هي بعض المبادرات المدنية التي تشجع على كسر الصمت تجاه العنف ضد النساء بمختلف الفضاءات، وفي السنوات الأخيرة، وفي الوقت الذي تبنت فيه مجموعات مدنية حركات عالمية مثل مي تو، هناك مبادرات ولدت من خصوصية وضعية النساء في المغرب.فمبادرة فين نمشيو، مثلا هي تطبيق الكتروني يسمح بالاطلاع على الأماكن الأكثر مواءمة واحتراما لحضور النساء، وتبادل العناوين لأماكن ترفيه وخدمات تتبنى سلوكات صديقة للنساء ، وكذلك الأمر للتطبيق الالكتروني مانشوفوش الذي أطلقته جمعية الاتحاد النسائي في المغرب، ويمكن تحميله على الهواتف للتبليغ عن حالات التحرش بالنساء والاعتداءات الجنسية وتجاوز الصعوبات المطروحة حول مسألة التبليغ والشكوى.
رأي الأخصائية
امينة اليملاحي، فاعلة جمعوية وحقوقية
الفضاء العمومي غير مهيأ لحماية النساء من العنف
الفضاء العمومي برأيي هو كل المؤسسات العمومية، سواء كانت مؤسسات خدماتية او الفضاءات المخصصة للترفيه كالحدائق والمسابح ..والفضاء العمومي هو فضاء يمكن لكل مواطنة أو مواطن أن يلجه أو يعيش فيه لفترة طويلة أو غير طويلة، وحينما نتحدث عن العيش فيه، فلا بد من وجود شروط محددة لذلك التواجد، ومن أهمها عنصر السلامة والكرامة، وكذلك الحرية. الفضاء العمومي مخصص لمجموعة من المواطنين أوالمجموعات سواء صغارا أو كبارا، ويفترض أن يجد كل شخص يستعمل هذا الفضاء ويلجه حريته الفردية.
بشكل شخصي، راودني باستمرار سؤال الفضاء العام، وهو سؤال مرتبط بمعاناتي كامرأة، اذ كنت أشعر، كأنه لا حرية لي في ولوجه ، كأنني متطفلة بحضوري في هذا الفضاء الذي أشعر انه ذكوري بامتياز، لكن سؤال الفضاء العمومي مثل كثير من الإشكالات المرتبطة بأوضاع النساء يرتبط بما هو ثقافي، اذ منذ عقود كان من المتعارف عليه، أن مكان المرأة هو البيت، واذا خرجت، فاما للحمام او جثة نحو القبر..هذه الصورة تاريخية مرتبطة بعوامل سوسويوثقافية، لكنها تركت أثرها في العقليات العربية عامة.
اليوم تغيرت السياقات والشروط والوضعية السوسيولوجية، والمرأة تخرج وتشارك الرجل في كل المهن، وتشتغل فترات ليلية بحكم طبيعة بعض الأعمال، لكن يقابلها ما يشبه الحظر في الفضاء العمومي ، وكلما ولجت المرأة هذا الفضاء، فكانما دخلته بحثا عن رجل.. هناك نظرة اتهام مسبقة و معلنة.
ولوج النساء الفضاء العام هو حقيقي وملموس، لكن السؤال اليوم يتركز حول العنف في هذا الفضاء
هناك ديناميات نسائية أخذت قضية النساء على عاتقها، وناضلت وهناك مكتسبات تبلورت على شكل قوانين، لكن على علاتها وجب العمل على تفعيلها، لقد نص الدستور على حقوق المواطنات والمواطنين، وضمنها الحق في السلامة والكرامة، لكن تواتر الحوادث والانتهاكات في الحياة العامة يمس بشكل خاص الحقوق الفردية للمرأة، خاصة الفئات التي لا زالت وضعيتها هشة، بسبب الامية والجهل، الهدر المدرسي وتزويج القاصرات..
الفضاء العمومي هو مرآة لعقلية، لصورة نمطية ، للتصورات الباطنية المتحجرة التي تطغى علىها عقليات ذكورية، و هي ما يتمظهر وينعكس ويتجلى فيما يمارس على المرأة في الفضاء العام.كل مظاهر العنف التحرش الاغتصاب..الاقصاء مصدرها هته العقلية،
و صدور قانون العنف، مسألة إيجابية رغم المآخذات عليه، ويجب تطبيقه، برغم ان القوانين لا تكفي، اذ ان الكثير من العنف تجاه النساء ناتج عن سلوكات خاطئة متعلقة بالتنشئة الاجتماعية، ومن هنا أهمية المراهنة على تنشئة إيجابية تعتبر المرأة والرجل شركاء في تدبير جميع المجالات . يجب المراهنة على نشر الوعي في صفوف المتعلمين منذ التعليم الاولي لغرس وترسيخ قيم المواطنة الحقة، وبلورة سلوك مدني ايجابي يخدم المشروع المجتمعي الحداثي .
اول شيء يجب التفكير فيه بجدية، هو ان هذا الفضاء غير محروس، غير مهيأ بكل الوسائل التي تجعل منه فضاء جديرا بمواطناته، غياب الأمن، غياب الانارة عن بعض الشوراع، الاكتظاظ في وسائل النقل، وتوزيعها داخل المدن.. تنقصنا الاستراتيجية لتدبير هذا الفضاء، وبالفعل هناك استعجال كبير اليوم للحد من كل مظاهر العنف التي أصبحت مقترنة بالفضاء العام بشكل جوهري. وضرورة تبني سياسات عمومية تهدف إلى توفير أمن النساء داخل المدينة مع الاستفادة من الممارسات الفضلى المعمول بها عالميا في هذا المجال.
للإشارة ان الفضاء العمومي، يشمل بالإضافة الى الفضاء الحقيقي ، فضاء الافتراضي، وفيه يمكننا ملاحظة اشكال العنف التي تتعرض لها النساء من الفاظ بذيئة واشكال التعابير التي تمس بكرامتها، ما يجعل الفضاء العمومي بكل اشكاله الملموس والافتراضي مشاهد متكررة للعنف والتحرش وكذا التمييز ضد النساء.