بقلم الحبيب الدائم ربي
يورد جيمس تريفل في كتابه “لماذا العلم ؟” الصادر باللغة الإنجليزية سنة 2008 واحدة من القصص الطريفة التي رواها له أحد أصدقائه بخصوص دكتورين جامعيين تجادلا بشأن عدد الأسنان في فم الفرس. ولأنهما كانا على طرفي نقيض في مرجعياتهما، إذ إن أحدهما كان يستند إلى ما قاله القديس أوغسطين وآباء الكنيسة، في الموضوع، والآخر يعتمد على آراء أرسطو وفلاسفة اليونان، فقد اختلفا اختلافا شديدا حد العراك. وبينما هما يتساجلان وقف شاب بسيط في القاعة قائلا: “يوجد حصان في الخارج، لمَ لا نفكر في مجرد النظر إليه ؟”. حينها تجمهر من كان بالقاعة وأوسعوه شتما وضربا طاردين إياه من حظيرة “أهل العلم” عاتبين على لجنة التنظيم السماح لـ”الدهماء” بالولوج إلى مثل هذه الفضاءات العلمية “المحترمة”.
قد لا تكون هذه القصة صحيحة، ولكن الجديد فيها أنها لم تقع في العصور الوسطى لدى السكولائيين للتوفيق بين الفكر الإغريقي والمسيحية، وإنما حدثت – إن حدثت فعلا – وتحدث باستمرار في عصرنا هذا، الذي ما يزال فيه بعض “العلماء” يرجمون بالغيب في بعض القضايا التي لا يحتاج الواحد منا- نحن البسطاء- لفهمها إلا معاينتها بالعين المجردة وخارج قاعات الدرس و تحصيل “العلم”. والمشكلة أن بعض العلماء صاروا بفعل هذا “التقوقع” أكثر جهلا من عامة الناس، ليس في قضايا الحياة وإنما في تخصصاتهم نفسها، ظانين، عن وهْم، أن تخصصهم العلمي يُعفيهم من معاينة الواقع ويحصنهم من أخطاء العوام وذوي التخصصات الأدبية والإنسانية، ولكأن الذكاء المنطقي والرياضي هو الذكاء الأوحد والأصح وما تبقى من ذكاءات أخرى غير موجودة أو لا يعول عليها.
ويكفي أن اذكر في هذا المقام صديقا جامعيا ما يزال ينفي نفيا قاطعا “خرافة” الفيتامينات والفيروسات والجينات والتطور الطبيعي للأنواع، بل ويعتبر غزو الفضاء “أكذوبة كبرى” اختلقتها القوى العظمى لتخويف الأمم الصغيرة، مؤكدا على أنه من المستحيل علميا (كذا) الوصول إلى القمر أو المريخ، معيبا عليّ سرعة تصديقي للخزعبلات، قائلا يلومني: أمثلك يصدق هذا ؟ ولأنني لا أملك البراهين الرياضية للتدليل على أمر قد يكفي مجرد الخروج من القاعة للتأكد من صحته أو بطلانه، فقد رددت عليه: “معك حق، يا صديقي، فما يحيرني حقا هو أنهم لم يكتشفوا الفيتامينات والفيروسات والمستحاتات ولم يفكوا شفرة الجينوم البشري ولم يطأوا القمر والمريخ وحسب، بل لربما ذهبوا أبعد من ذلك بكثير ولم يصرحوا إلا بهذا القليل القليل فيما نحن مازلنا نتجادل حول عدد أسنان الحصان بمنطق أرسطو وفلسفة اليونان.
هي إذن مربكة (بوزل) ذهنية نبتغي هنا استعراض بعض جوانبها مع القارئ،في أمثلة ملموسة، عسى أن يساعدنا في تقري ملامح الصورة الشائهة: مهندس فلاحي لا يعرف شراء دلاحة أو بطيخة أو رمانة اعتمادا على المراجع النظرية التي بنى عليها بحث تخرجه، طبيب بيطري يغشه شخص أمي في كبش بمناسبة العيد، وهي ليست المرة الأولى على أية حال لأنه لا يعرف انتقاء فرّوج فبالأحرى اقتناء كبش، أستاذ رياضيات يستعين بخدمات شخص – لم ير المدرسة في حياته قط – في تقسيم أرض على الورثة حسب أسهم معلومة، بحيث يكتفي مدرس الرياضيات والهندسة بإمساك الحبل بينما يتولى البدوي الأمي القسمة والضرب والطرح وهلم خوارزميات “دمغية”، طالبة جامعية مجازة في اللغة والآداب، بميزة، تلجأ إلى كاتب عمومي، هو في الواقع تلميذ مطرود من الإعدادية ليكتب لها طلبا للعمل أو اجتياز مباراة،شاعر، يدبج القصائد على اليمين وعلى الشمال وبفصاحة لا يحسد عليها، دون دراية بأبجديات النحو والصرف ناهيك عن العروض والبلاغة وكتابة الهمزة حتى، مدرّس لسانيات لا تستقيم له عبارة، لا لأنه لا يحفظ المتون الغميسة وحسب بل لأنه يحفظ منها الكثير وعن ظهر قلب، وعشرات الأمثلة المضحكة المبكية التي تؤكد، بالأدلة الداحضة، بأن هناك خللا ما في بناء الحكاية: حكاية “الفهامة في الراس والخسارة في الكراس”.
ترى ما السر في هذا الفصام الذي يجعل من أذرعنا أقل مضاء من ألسنتنا؟ لماذا نحوز “العلم كله” ونتصرف بجهالة لا حدود لها ؟ فمنذ بدء الخليقة والوعاظ والمصلحون والمفكرون والمعلمون يسعون إلى أن تكون الإنسانية أحسن وأرقى إلا أنهم ما انفكوا يصطدمون بخسارات لا تنتهي في المسلك البشرى والقيم.صحيح أن قوى الهدم أعتى من قوى البناء في العمران والأنام.
بيد أن اللافت هنا ليس التعارض الأزلي بين ملائكة وشياطين، بين علم وجهل، وإنما في كون المتعلمين هم أكثر الناس مدعاة للسخرية حين يسلكون وحين لا يسلكون. لكأن معرفتهم العالمة تبعدهم عن الواقع والتصرف السليم مسافات غير قابلة للردم.من ثم فما نعاينه ونعيشه لا يتعلق بعدم معرفة بل بسبب هذه المعرفة ذاتها، التي لا تبرح الذاكرة واللسان، أما مدى استفادتنا منها فيكاد يدنو من اللا شيء، من العدم.
وبعبارة كاريكاتورية فإن السلوك الأقرب إلى المنطق السليم، في حياتنا، هو سلوك الذين ما تلوثوا بمعرفة تثقل الذاكرة وتبلد الفكر، تطيل اللسان وتقصر النظر، ولعل الفصاحة والحكمة والمروءة والوعي والذكاء سمات تكمن في الطبيعة، على علاتها، لا في ثقافة بليدة، متعالية، جاهلة، بئيسة، لن تزيد حامليها إلا خسارا. من غير أن يعني هذا أننا نمجد “الأمية” ومنافاة التعلم والمعرفة، وإن كنا في الآن نفسه نطرح سؤال “خرافة التعلم” والمعرفة، بحدة، عسى أن نظفر بمشروع إجابة قد تحدد لنا مكامن الخلل أهي في “الراس” أم في الكراس ؟ أم فيهما معا ؟.