بقلم / الأستاذ سمير أبو القاسم
دون الخوض في غمار الأسباب والمسببات، ودون الوقوف على حجم المسؤوليات والتقصير في المهمات، التي قد يحين وقتها في القادم من الأيام، وعلى الرغم من صعوبات السياق، وأعطاب الجسم الحزبي، فقد كان بالإمكان القيام بمعالجات عقلانية وبترميم هادئ لأركان البيت الداخلي، دون الدخول في منطق بعث رسالة القصف العشوائي إعلانا عن بداية حرب انبعاث الأموات.
فالمتأمل في أوضاع الحزب، منذ التأسيس إلى اليوم، يتأكد بأن البنية الحزبية كانت تشكل بؤرة للتوترات، ذات نزعات مختلفة، تنحو إلى فرض نوع ما من الثقافة والأفكار والمواقف أحيانا، وتتجه نحو تكريس بعض الأطماع أحيانا أخرى، من أجل الحصول على سلطة أو ثروة أو جاه.
والاختلاف البارز اليوم، والذي اتخذ طابع الخصومة من الداخل حسب توصيف الأمين العام، وصل اليوم إلى مستوى حرب معلنة، في غياب تام لأية مبادرة جادة للقيام بدور الوساطة ونزع فتيل النزاع وجلوس الأطراف على طاولة الحوار والتفاهم والتفاوض، من أجل إيجاد مداخل لتسوية ممكنة أو متاحة.
وفي ظل هذا التوتر، وما يعانيه الجميع من تخبط وتهميش وهشاشة وتفش للشعور بالإحباط بفعل توافقات كانت تحبك تحت جنح الظلام، وغياب أكاديمية للتكوين بسبب المسؤولية التقصيرية، وعجز لقطب التنظيم في إرساء بنيات استقبال وتنشيط، جهويا وإقليميا ومحليا، كان لابد أن يصبح الحزب مجالا خصبا لإنتاج احتقان تنظيمي، يحمل في طياته خصومات ونزاعات، ويبرز درجات عالية من التوتر في العلاقات والتفاعلات، ويعمق الخلاف بين المناضلين والمناضلات.
هناك تسريع لوتيرة الانزلاقات اليوم، وتحويل لعلاقات الأخوة والرفاقية إلى خصومات وعداوات، وتغييب لشروط العيش المشترك في سلام وأمان، وهجر لقيم التقدير والاحترام، واستسهال للهتك في الأعراض، وإفشاء لمشاعر الحقد والكراهية، وتقوية للرغبة في الانتقام وقطع الأرزاق… وهي كلها أمور لا تخفى على عاقل تفاهتها وسلبياتها وأضرارها، التي كان بالإمكان تفاديها لو أن القيادة تحلت بالحكمة والتبصر والتعقل، واستكانت للحوار والإنصات، ونأت بنفسها عن إذكاء شروط المواجهة والنزاع، وعملت على التقريب بين وجهات النظر بطرق سلمية، تحفظ الود وتصون كرامة الجميع وتؤمن الحقوق والمصالح المشتركة.
أليس من نقص في النضج وقلة في الوعي جرجرة المناضلات والمناضلين إلى القضاء؟ ألم يكن في الحسبان أن “الحلول” التي قد يأتي بها القضاء في مثل هذه الحالات لا تكون ناجعة، لأنه يحكم بما تمليه عليه الفصول القانونية، وهو ما لا يحل المشكل من جوهره ؟
أمام هذا العجز الحاصل في قيادة الحزب بمنطق التقوية والتعزيز، وأمام هذا الإصرار على الاتجاه نحو الإضعاف والتقهقر، لا يبقى من خيار سوى استشراف الأفق والتطلع إلى المستقبل