أحمد بوزفور وأنا.. الصداقة المرجأة

بقلم الأستاذ الحبيب الدائم ربي

لن أركب المناسبة لأزعم أن الكاتب أحمد بوزفور صديقي، والحال أن الرجل لم يكن صديقي قط. ما لم نكن – لولا الألطاف – عدوين لدودين ! فإلى حدود أوائل تسعينيات القرن الماضي كنا على طرفي نقيض أو نكاد، سيما وأن المشائين بنميم – ولو من دون قصد ـ ما انفكوا يوسعون الشقة بيننا ونحن لمّا نلتقِ بعد.

كان صيته يفلق الصخر، وأنا بالكاد أبحث عن موطئ قدم في أرض الكتابة. وحين التقينا جمعَنا شبه خصام وآلفتنا صداقةٌ مؤكدة. تلك حقبة ورقية كنا فيها أنا وصاحب “النظر في الوجه العزيز” أصغر من الآن بست وعشرين سنة. كان ذلك في شهر ماي من عام 1993 في مدينة القنيطرة شمال الرباط، يوم التقينا وجها لوجه، على هامش الملتقى الوطني الثالث للقصة القصيرة بالمغرب، الذي دأبتْ جمعية “الشعلة” على تنظيمه كل سنة.

فما أن تعرّف إليّ سي أحمد حتى بادرني قائلا وبلا مواربة: “أُخْبرتُ بأنك كتبتَ مقالةً ضدي”. كان قد اختار اللحظة بدقة ليصطاد بشباكه وَعْليْن في آن. ذلك أن الذي سعى بيننا كان يجلس معنا إلى الطاولة ذاتها. ولأن المسألة لم تكن تقبل تأجيلا فقد كان رد فعلي سريعا وصادما. إذ أوضحتُ له أنني فعلا كتبتُ مقالة أختلف فيها معه من دون أن أكون معه أو ضده. مضيفا في وقاحة لا تناسبني كثيرا: “كيف لي أن أفعل ذلك وأنا لا أطمع في صداقتك كما لا أبحث عن عداوتك ؟” مردفا – واسمعي يا جارة – “على الذين يتوددون إلى صداقتك ألا يسلكوا سبل الوشاية”.

لكأنما أفرغتُ بهذا جردلا من الماء البارد على المرحوم (م.ب) لأنه كان المعني بالنصف الأخير من الرد. فيما اكتفى السي أحمد بالتماس بسيط: “هل بالوسع أن تبعثَ لي نسخة من المقال”، قالَ. “لمَ لا؟” أجبتُ. وهكذا كان. مع تأكيد مني على “أنني لا أطمع في صداقة، ولا أبحث عن عداوة”. والواقع أن المقالة – موضوع سوء الفهم الكبير – لم تتناول الاختلاف بيني وبين أحمد بوزفور إلا في جزئية قصدتُ بها الإشارة إلى بعض المزالق المحتملة في تأويل كلام صادر عنه، هو المنزّه عن أي تأويل مغرض. وهي مزالق موجهة للخطاب الواصف للنقد الأدبي لا للنقاد.

ذلك أنه فيما أذكر كان تنبأ لقصاص ناشئ بمستقبل واعد. غير أن الذي أثار استغرابي في كلامه هو عبارة “لا أعرفه شخصيا” التي تكررت ثلاث مرات من دون داع في حيز ضيق، إلى حدّ بدت لي كما لو أنها كانت تحاول دفع شبهة المعرفة بين بوزفور والشاب المعني (ع.ب). والحال ألا شبهة هناك. والحق أنني من فرط محبتي للأستاذ بوزفور خشيتُ عليه من أن يُساء فهم عبارته تلك من قبَلِ بعض الذين لا يعرفون من أي معدن هو مقدود. وما كان منه إلا ان التقط الإشارة بذكائه الحاد حين قال لي في خطاب، بعد أن اطلع على مقالي وعلى مجمل الحيثيات، ما مفاده “لئن خلعتَ صداقتي فأنا لصداقتك لن أخلع”.

هكذا صرنا صديقين. وربما فوق العادة.. بل صار بوسعي أن أقول وأفخر بأن السي أحمد صديقي. وفوق ذلك تكررت بيننا لقاءات وترسخت مودات وسالت أحبار كثيرة في نهر الصداقة والكتابة معا.. ولئن اختلفنا أحيانا في الكتابة – وهذا مطلوب – فإننا لم ولن نختلف أبدا حول المودة والصداقة. مادام السي أحمد ـ الطيب الودود والأستاذ القدير – موضوع إجماع أهل الأدب ببلاد المغرب بلا استثناء.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد