أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
بقلم / الأستاذ سمير أبو القاسم
لقد تحولت النزعة الدعوية في السياسة إلى نزعة مرضية فعلا، بما تقتضيه من ضرورة “ممارسة السياسة بشكل مغاير” كما ورد ذلك في أدبيات حزب الأصالة والمعاصرة لحظة تأسيسه.
فما ذهب إليه أحد المنتسبين إلى حزب الاستقلال وآخر من المنتسبين إلى حزب الاتحاد الاشتراكي بخصوص الاختلاف الحاصل مؤخرا بحزب الأصالة والمعاصرة فيما يتعلق بتدبير الشأن الحزبي الداخلي، لا يمكن تصنيفه إلا في باب التدجين السياسي الممنهج.
وقد لا يحتاج القارئ إلى بذل الكثير من الجهد لإدراك أنه كان عليهما الانكباب على معضلات تدبير شأن حزبيهما، التي برزت على السطح بمجرد تواري قائديهما (محمد بوستة وعبد الرحيم بوعبيد)، والتي لم تقف عند حدود الاختلاف، بقدر ما تعدته إلى إحداث انشقاقات متوالية وتراشق بالتخوين والعمالة والتمخزن والابتزاز والبيع والشراء والتسابق المحموم على مواقع الربح الريعي داخل المؤسسات والتضارب بالصحون و… والتي لا زلنا نعيش إلى اليوم على وقع تداعياتها على وضعهما التنظيمي والسياسي.
حتى إن كلا من المنتسبين لم يسلما من الإصابة بالشظايا المتطايرة من هذا التشظي داخل حزبيهما في وقت غير بعيد، وها هما اليوم يبحثان عن مشجب حزب الأصالة والمعاصرة لتعليق كل إخفاقاتهما التنظيمية والسياسية والانتخابية.
فوحده الاعتقاد بامتلاك الحقيقة يمكنه تفسير خرجة كل من عادل بنحمزة ومحمد الطالبي، ويوضح استمرار استغلال “الرأسمال السياسي الرمزي” لهاذين الحزبين للنهوض بالدعوة ذات الطابع الحزبي/الهدائي، ويضع المتتبع والمهتم بالسياسة في المغرب في الصورة؛ من حيث ما يمكن أن يمتلكه هاذان المتحزبان من تصور واهم بخصوص ما يملكانه من سيطرة على عقول ونفوس المواطنات والمواطنين، بل والنخبة السياسية على وجه الخصوص، وكذا ما يتسلحان به من يقين فيما يتعلق بارتفاع الطلب في هذه المرحلة على دورهما الدعوي في المشهد السياسي المغربي اليوم. وكأنهما مرخص لهما من “الأمة” و”القوات الشعبية” بأداء الوظيفة الهدائية، بل وصناعة الديماغوجية والترويج لها على أوسع نطاق.
هذا الخطاب السياسي ذو الطابع التبشيري، يأتي في إطار منح سليلي الأحزاب التقليدية أنفسهم حق الاستمرار في إنعاش مفعول الرسالة السياسية لعقود الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين في المجتمع والناس، متناسين ما عرفه الواقع الاقتصادي والسياسي المغربي من تغيرات، وما شهده المجتمع المغربي على مستوى العلاقات والتفاعلات من تطورات اجتماعية، ما عادت تتفاعل مع مثل هذه الماضوية المغرقة في الانغلاق على الذات الحزبية التي ما عادت تستوعب مجريات الوقائع والأحداث، ولا أصبحت قابلة للانفتاح على ما استجد في مجال التفكير والممارسة السياسيتين الوطنية والدولية.
وعلى بعض المنتسبين للوحدة والتعادلية والقوات الشعبية وهما، أن يدركوا بأن عهد الوساطة بين الحقيقة والشعب في المجال السياسي قد ولى، وأن طريق الدعوة إلى الصراط المستقيم والهداية السياسية ما عاد مفضيا إلا إلى مآزق، وأن المحجة البيضاء في السياسة لا توجد خارج أداء سياسي قائم على بناء تنظيمي حزبي متراص، ودور تعبوي وتأطيري مستدام مساهم في تحديث طرق التفكير وآليات الاشتغال، وقوة انتخابية ميدانية متطلعة إلى تغيير معالم البنية الاقتصادية والتنموية إلى ما هو أحسن، وبرنامج سياسي واقعي قابل للقياس عبر مؤشرات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وبيئية دالة وغير مرتهنة لدغدغة العواطف والمزايدات الانتخابية.
فكيف لمنتسب إلى حزب الاستقلال أن يعطي دروسا لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو من خبر المغاربة جيدا مشاركة حزبه السلبية في جميع الحكومات المتعاقبة تقريبا، وفي السياسات العمومية الضارة بمصالح كل الفئات والشرائح الاجتماعية؟ وكيف له أن يخطب في الناس سياسيا وحزبه ما فتئ يتوسل ترأس الحكومة في 2002 بمنطلق “أمولا نوبة”، ويخطب الود اليوم فقط للتواجد على هامش دعم الأغلبية من موقع المعارضة البرلمانية ؟
وكيف لمنتسب إلى حزب القوات الشعبية، الذي ما عاد يحصل على فريق برلماني إلا بطلب المساعدة واستعمال المنشطات الانتخابية المعروفة، والذي أصبح منتسبوه يستجدون عطف الأحزاب الأخرى للمشاركة في التسيير داخل الجهات والأقاليم وباقي الجماعات الترابية، أن يفتي في الوضع التنظيمي الداخلي لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو من تشظى حزبه إلى أشلاء متناثرة كقنبلة عنقودية “لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر”؟ فقبل أن يرمي الآخرين بالحجر، عليه أن يدرك أن بيته من زجاج، وليتذكر أن قائد حزبه هو من دعا المواطنات والمواطنين في انتخابات 1992 إلى أن “يأخذوا المال من المفسدين ويصوتوا على الصالحين”، فترسخ بذلك سلوك البيع والشراء في الأصوات الانتخابية، وحزبه هو من قبل على نفسه في انتخابات 1997 أن يوظف المقدمون والشيوخ والقواد ورجال السلطة في حملته الانتخابية استعدادا للمشاركة في حكومة التناوب التوافقي، وحزبه كذلك هو من كان سباقا لإدماج الأعيان والاستقواء بهم في الانتخابات…