عند الطبيب

بقلم: الأديبة المغربية مالكة عسال

حان دوره ودخل عند الطبيب مضطربا وأوراق الحمرة تغطي وجنتيه، جلس مطأطئا الرأس كأنه حاز على الرتبة الأخيرة في الامتحان، أو ضُبط متلبسا بفعل ما، ينتظر أول سؤال يقفز من فيه الطبيب، حائرا في أمر الجواب، وكيف تكون المبادرة لشاب في سن السابعة عشر إلى إعلان فضيحته جهرا لشخص يحمل نفس الخصائص البيولوجية، وما حجم الأسئلة خاصة وقد استفسرته سابقا عيادات شتى دون نتيجة تريح البال ؟… مازال بنفس الدرجة يحمل معه المرض في الجراب، العلاج طال والشاب استنفد الصبر.. يرمق أنامل الطبيب تغازل القلم في خشوع على صفحة بيضاء، تشبه إلى حد ما ملفا، قد يكون الطبيب قد أعده للمريض وهو الآن يسجل اسمه وعنوانه، أو كراسة من نوع آخر، يدون فيها معلومة طبية لاحت له كالقدر، أو ربما شيء آخر غير ذا وذاك مختزل في نصيحة مبرمجة، يتركها للممرضة تقتات بها وقت غيابه…

رفع لحظه في برود إلى الطبيب والعالم من حوله في حجم سم الإبرة، العرق ينز في شغب من حافتي أنفه، وذقنه، وتحت شفته السفلى، بين الفينة والأخرى تلكزه صلعة الطبيب ببريقها، والتي تخلت عن ردائها الأسود بالبحث المتواصل. أو بتراكم الذهنيات المفرطة تحت الجلد، لكن طبيبنا غير سمين، فهو في منتهى الرشاقة، ربما لحمية جافة يتبعها، أو لرياضة مداوَم عليها، أو هو القوام اتخذ نفس القالب بالوراثة، فاستقام بهذا الشكل… انتهى الطبيب ووضع القلم مشبكا الأنامل، بصوت رخيم فتح نافذة السؤال، صوت لو كان محمد عبد الوهاب على قيد الحياة، لاختاره ضمن المتنافسين في الأغنية العربية، أو اتخذه تلميذا يمارس عليه حقول التجارب في اللحن، صوت إذا غنى ينيم الصبي المفزوع بكابوس ما… فتق أسرار الشاب بعناية ، حتى يتدفق البوح بشكل تلقائي دون أدنى تعقيد، ويتسنى له القيام بواجبه كما ينبغي، فيفك خيوط اللغز المخبولة: السبب في جرحه الأكبر حتى تنضاح مراكز الضرر، فتوضع اللمسات العلاجية.. في انحدار شديد قال:

ـ ما بك بمَ تحس ؟

تورد وجه الشاب، جف الحلق، غارت العينان في محجريهما، وأسدلت الأشفار تحت سحابة توتر خفيف؛ تلاحق في التنفس، زفرات مسكونة بالألم، ففتحت المسام عقالها عن حبات عرق تندلق مندفعة بلا استئذان، ثم تعثر في الكلام….

ببسمة هادئة أملاً في إذكاء الجرأة مرة أخرى، وسل أول خيط للبوح كرر الطبيب ثانية:

ـ ما بك ؟ تكلم

تزحزح الشاب من مقعده قليلا يفرك الأنامل منحني الرأس؛ الكلمات تصطك في الحلق لترتطم بقفل… تغمدت الجسد برودة شديدة، تلتْها رعشة ضربت كالبرق كل جيوبه، وبغصة قال:

ـ لا لا لا أ ددررري.. كلما قمت من الفراش…

مفردات خرجت قصرا كمفرقعات الأطفال، مهشمة في سمعه قواعد الكبرياء، فبدت له الدنيا قطعة نار؛ فهم الطبيب الأمر، وكف عن وخز الشاب بإبر الأسئلة، قام رفقته إلى غرفة الفحص المجاورة، مربتا بكفه المعسولة على كتفه، بغية محق اللحظات المضايقة، أمره بنزع ملابسه والاستواء على المنضدة، والممرضة بأخذ حرارته، وقياس ضغطه، وأشياء أخرى من هذا القبيل، وانصرف لتهيئ ما هو مرغوب فيه.. في صمت وقفت الممرضة بلباسها الأبيض كالملائكة، جذبت الذراع لاستهلال الكشف، وجذبة الذراع هذه، أقلعت ذكرى مؤلمة من جذورها، يوم انجرّ كالخروف إلى المرحاض، في هالة تفقد أجنحة الشفقة، بين رعود الزعيق وسياط من الغضب تتلوى على جسده الطري، لم يَكفِ التوسل والصياح كبْحَ خيول العقاب… سطل من ماء ساخن، صابون، وفوطة لمحو أثر الفضيحة كما اتضح، تهمة نفشت ريشها في غصن الصبي، كأنه ارتكب جريمة قتل الأطفال… غب إغباء العار على حد التسمية، والتطيب، وتغيير الملابس، انقاد إلى مائدة الإفطار، يتحشرج بين الشهقات والنشيج وألقاب ملفعة سامة تنقر المسمع.. جلس على حد الرعب، امتدت اليد إلى اللقمة في رعشة، الأخرى إلى الكأس، واللقمة ترفض أبدا ملامسة الشفاه.. من وقتها تفرخت في عمق الصبي خدوش غائرة يصعب اندمالها، تاركة الأثر في الضلوع… ترهلت الثقة في النفس، وابتدأت لحظات الخوف تهز وتره أثناء النوم، بل أصبح الفراش غولا يلمز له ساخرا كل ليلة، كأنه سُوِي على الجمر.. أسراب أفكار كالحشرات الناقمة تأتي وتغيب.. تمَنّ بمرور الليالي والصباحات على خير…

عاد الطبيب ملء جديته، تحسس الجسد قطعة قطعة، العبارات تتسربل، ولسان الشاب تارة يطاوع وأخرى ينفر، وثالثة يشمئز مستنجدا بعقارب الساعة إعلان ماراطونها في أقرب وقت، وينتهي الأمر… انسحب الطبيب كقطعة ثلج، وانتفض الشاب ليستر العري ومسامير تهويمات لا حد لها تخرم الدماغ، مثقلة بالهواجس حول تشخيص المرض: إذا كان القصور الكلوي، فأثمنة تصفية الدم باهضة، الحصة الواحدة تكلف ما تكلف.. فكيف بها مدى الحياة ؟ ومن يا ترى يمد يد المساعدة وأرواح بني آدم اليوم، أرخص وأرفّ من جناح بعوضة ؟ وحتى إن كان التجاوز: المتانة مثلا، وتطلّبَ الأمر إجراء عملية، فكيف يتم إنجاحها في غرف لا تعد إسطبلا للبهائم ؟.. أما تكلفة المصحات الخاصة فالأمر بها مستحيل.. أما إن شُخّص المرض في القنوات البولية، فأي مستشفى يمتلك آليات الإمساك بجوهره واستئصاله في وضع يتكل على البسيط من الأشياء ؟… قد يفتح الأمل أزراره على الاستشفاء بالدواء فقط: شك جرع أو أقراص… أو قد يتضخم المرض فيصبح المريض أثقل من برميل زفت على نفسه وعلى المجتمع……… تحت حقبة صمت قصيرة وصخب القلم والصفحة، خطت حروف تقر عرض المريض على طبيب نفساني

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد