الهمــــــــزة..

بقلم الأستاذ الحبيب الدائم ربي

تطرح الهمزة في اللغة العربية إشكالا حقيقيا بالنظر إلى طابعها الانتهازي، فلا هي حرف كباقي الحروف، ولا هي غير ذلك. إذ يلزمها في كل الأحوال، كرسي كي تستريح راضية مرضية، وكراسيها المفضلة هي الياء والواو والألف، وحين لا تسعفها حركتها في امتطاء سواها تلزم السطر في انتظار “همزة” قد تجود بها… عليها السوانح.

ورغم أن هذه الأوضاع قد تبدو محكومة بقوانين الحركات (إذ ينظر عادة إلى حركة الهمزة وحركة الحرف الذي قبلها ثم ترجيح الحرف المناسب لأقوى الحركتين ليكون الحامل لها، علما بأن الكسرة تناسب الياء والضمة تناسب الواو والفتحة تناسب الألف والسكون يناسب السطر، وأن الحركات تتفاوت، وفق هذا المنطق، من حيث القوة والضعف، فالقوة الكاسحة للكسرة تليها الضمة فالفتحة ثم السكون، وهو قانون، ككل القوانين في واقع غير قانوني، لم يوضع إلا من أجل أن يخرق، لا على المستوى القطري، فحسب، بل وعلى المستوى العربي ككل. والدليل هو التفاوت في كتابة الهمزة، في مواقع شتى، بين أهل المغرب وأهل المشرق. بحيث تصبح اللغة العربية لغات، ولكل دولة عربيتها المخصوصة.

ما لم نقل همزتها الوطنية. بعضهم يحاول إلغائها بالإبقاء على كرسيها، كما في بعض قراءات القرآن الكريم، والبعض الآخر في كل واد يهيم. ولئن كانت الهمزة، بما هي حرف مفترض، تأتي في المرتبة ما قبل الأخيرة في الأبجدية المغربية، فإن الخليل بن أحمد الفراهيدي اضطر في كتابه “العين” إلى أن يبتدئ بها مواد قاموسه، على أساس أنها، ولزئبقية حالها، “أهم” الحروف الحلقية، رغم أنف سيبويه وأنف حروف الحلق والقلقلة والعلة وهلم توصيفا. ولأمر ما صارت الهمزة عينا، أو هي العين الصغيرة، ضدا على العين والغين.

فشكلها يسمح لها بانتحال صفة عين صغيرة في مجتمع حلقي، ألم تروض حروفا أقوى من العين وتركبها عنوة، تتربص بها على السطر كي توقع بها لا محالة ؟ ألم تقهر النحاة واللغويين والكتاب فما وجدوا لمعضلتها حلا ؟ فهي تصل تارة وتقطع تارة أخرى من دون رحمة، بصورة تربك المصححين اللغويين – وآلاتهم التكنولوجية – أيما إرباك.

ولعل الدليل الساطع يصفعنا، باستمرار، في مانشيتات الجرائد وشاشات التلفزيون والكتب المدرسية والافتات ووصلات الإشهار والسبورات الإرشادية والاستدعاءات والدعوات وكل النصوص العربية الواصفة والموصوفة بلا استثناء.

لا ضبط للهمزة، ولا تمييز بين وصلية وقطعية. وتلك فضيحة تليق بالهمز عموما. والهمز- هاهنا – فعل مشين، يوصف به المشاء بنميم، والكانز للمال، واللئيم والانتهازي ومتصيد “الهمزات” فــ”ويل لكل همزة لمزة”. وهو أيضا النكش والنبش والنقر وسواه من الأفعال النكراء.

حتى أن بعضهم أجاب من يسأله “إن كانت قبيلته تهمز “الخرء””، “نعم، بأصبعك يا ابن الفاعلة”.

و”الخرء” المذكور – لا مؤاخذة – لا يقل بذاءة عن “الهمز” وما إليه.

إننا، إزاء، حالة شاذة ومراوغة تعيق اطراد الضوابط وتواترها، وتعرقل سريان القوانين على الجميع، وفق تفكير ذرائعي ومسلك وصولي شائنين، مما يستدعي التدخل السريع، للحد من استفحالها، لإبطال سياسة الكرسي الجاهز التي تتحين حركة من هنا أو هناك للقفز فوق الظهور والأكتاف.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد