الأديبة السورية سوزان إبراهيم
كيف يمكن لسؤالٍ كهذا أن يخطر على بالنا: هل يمكن أن تكون هناك حروب خالية من أي ذاكرةٍ حزينة ؟!
ثمة إجابة واحدة محتملة – كما أفترض -: حين نصبح شعباً مصاباً بالزهايمر وننسى كل شيء !
لابد أن كثيراً من السوريين يعانون ومنذ سنوات من حمولة الذاكرة الثقيلة، التي لا يمكن أن يتم إفراغها كما تُفرغ سيدة منزلٍ كيسَ غبارِ المكنسة الكهربائية ! كم سوري يتمنى اليوم أن يصبح بلا ذاكرة، فقط كي يظن أن الحرب لم تمر من هنا.. وأن كل ما حدث، ربما حدث لآخرين !
بالمقابل كم نسبة السوريين الذين يُغذّون الذاكرة كي لا تنسى.. كم يغلفونها بكل الدمع والقهر والألم كي يبقى الحزن طازجاً وسيد الموقف وسيد الرؤية واتخاذ القرار!
أين الصواب في ذلك: هل ينبغي أن ننسى أحزان الحرب كي نرتقي إلى مرحلة جديدة بلا أحقادٍ وكرهٍ وثأرٍ ينام حد القلب؟ أم ينبغي أن نعمق الأثر المتروك على الذاكرة من أصابع الحرب الخبيثة كي لا ننسى !
جميل ما أثاره الإيطالي الساخر أمبرتو إيكو وهو يرى أن علينا أن «نراجع فكرة ديكارت عن طبيعة الإنسان: إنّ الشيء الأعدل توزيعاً بين الناس ليس الحس السليم، كما قالت الأزمنة الحديثة من بعده، بل الحماقة”.
هل نحن متعادلون في ملكية الحماقة حقاً ؟
ما علاقة الحرب بالحماقة وما علاقتهما بالحزن ؟
قد يأتي يومٌ – وهو لابد آتٍ – حيث يكتشف سوري ما فجأة أنّه غير موجود في سجلاّت البلاد سارية المفعول، وقد يترتب عليه إبراز وثائق أو براهين تثبت أنه هو هو وليس شخصاً آخر! إنه هو الحي وقد اكتشف اسمه في سجلات الميتين !
سيعود مفقود يوماً ليبحث عن بيت وأهل وشارع وحي ! وستضحك الحرب بكل وقاحتها علينا، يوماً ما سيقف سوري وسط الخراب يتسول ذاكرة فقدها.. فالذاكرة هوية.. وآهٍ.. آهٍ من آلام الهوية ومقاتليها وقاتليها !
لنعترف بأن لكل منا حصته الوافرة من الحماقات ومن الأحزان ومن الذاكرة التي لا تريد أن تنسى.
لنعترف أن ما فعلته الحرب عبر سنواتها العجاف، ليس مجرد فصل قحطٍ، بل كان فعلها أعمق من ذلك، فقد نخر السوس كثيراً من أشجار السنديان حراس باب الغد.
لنعترف أن الحرب حين تتقدم بمكرها في أماكن معينة، تنهزم في أماكن أخرى لأن كثيراً من الذاكرات تحاول أن تنسى وأن تبني من جديد.. ولأن كثيراً من السواعد تنتظر إشارة البدء بإعلاء البناء.. وأن نفوساً خضراء مازالت تسقي شجر الحور وتزرع الحبق والجوري.
لنعترف أن لا حروب جيدة أبداً.
لنعترف أن كيس ذاكراتنا طافح بكل الوجع.. لكن لابد أن ننسى ونمد الايدي والجسور