داحس «غادة السـمان» وغبراؤها على صفحات التواصل الاجتماعي

الأديبة السورية سوزان إبراهيم

حين أصبح العالم قرية صغيرة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، وحين صارت المسافة مجرد رقم لا يعني أكثر من ساعات طيران محددة في الواقع، بينما صارت على ال «social media» مجرد وهم، ولهذا صار البعيدُ قريباً جداً ومبَاشَراً وطازجاً، وهكذا اختلف مفهوم النسبية ثانية فيما يتعلق بالمسافات والبعد والقرب.‏‏

‏‏في ظل مجتمع «القرية الكونية» حيث الكل يطلع على أخبار الكل، وعلى مدار الساعة، حيث الصورة تأتيك من موقع الحدث مهما كان مؤلماً وخطراً، كثرت الثرثرة ونقل الأخبار والتصرف بها ونسبها إلى آباء أو أمهات لا علاقة لهم بالخبر أو بالحدث.. في غياب الرقابة الرصينة صار الكل مراسلاً وإعلامياً وشاعراً وناطقاً باسم القيم والمبادئ والديانات والجندر وحقوق الإنسان وووو ألف فكرة أو مفهوم أو قضية… وصارت الثرثرة المجانية في كثير من الأحيان سيد الموقف لأن العاقل لا يرمي جوهرته في «حظيرة الخنازير» !‏‏

‏‏مرة أخرى نجحت «غادة السمّان» في استثارة العصبية القبلية في دماء العرب، مرة أخرى رمت بحجر صغير في بركة الراكد المُعتِم الذي لا يريد حرّاسه له تبديلاً.. مرةً جديدة تنجح غادة المتمردة على أعراف القبيلة ومفاهيم العشائرية وسلطنة الذكورية في إثارة عقيرتهم عالياً، فتأتي ردود الأفعال في غالبيتها من قبل جماعات مازالت تفكر بالعورات والمحرمات وما ملكت الأيمان! معظم ردود الفعل جاءت مستخدِمةً ألفاظاً تنتمي للجزء السفلي تحت الواعي للذكورية العربية.‏‏

لست هنا في موقع الدفاع عن غادة السمان، بل أنا هنا من موقع المراقب والمتابع الراصد والذي خرج بفكرتين أو أكثر من كل هذا الصراخ الذي لا يعرف معظم العرب غيره، وكأن جينات داحس والغبراء مازالت سارية في كل دمائنا:‏‏

أولاً: يحق لنا نحن من ندّعي الثقافة والعقلنة والتحرر الفكري أن نسأل:‏‏

ما هي الخلفية الثقافية والمعرفية لهؤلاء الذين هاجموا غادة السمان لأنها نشرت رسائل حب تبادلتها قبل أكثر من خمسين سنة مع كاتب أو شاعر أو غير ذلك ؟‏‏

كيف ينظر هؤلاء للمسألة الأدبية، أو لماذا لم ينظروا إليها من الناحية الأدبية وما تفعله هذه الرسائل في تاريخ الأدب العربي ؟‏‏

حماةُ الأخلاق هؤلاء ما موقفهم من انتهاك أعراض السوريات في الداخل والخارج ؟! ما موقفهم من صغيرات يتجولن في الشوارع السورية ويلتمسن ثمن رغيف خبز؟ ما موقف هؤلاء الجهابذة من قتل طفلة على يد أبيها ؟!‏‏

ثانياً: هل يحتاج العربي بحكم العادة أو الجينات إلى خلق أصنام كل الوقت؟!‏‏

ألم يكن غسان كنفاني بشراً يمارس كل مناحي الحياة بشكل طبيعي؟! فلماذا يستنكر هؤلاء أن يُحب ويعبر عن هذا الحب؟ ألم يكن أنسي الحاج شخصاً من لحم ودم ويمارس الحياة بصورة طبيعية، فلماذا يكون غريباً أن يُحب ويعبر عن الحب ؟‏‏

قرأت ثلاثاً من رسائل أنسي الحاج لغادة، ولم أجد فيها إلا أدباً جميلاً ونقاشاً يلامس الفلسفة !‏‏

ثالثاً: تمنيت لو أن بعض من تناول المسألة «المصيرية» لرسائل غادة السمان، انطلق من موقف إنساني بحت، من موقف لا يكاد سم الذكورية الطافح فيه يُميت كل امرأة، بحيث «تواقح» بعضهم لإطلاق أحكام أخلاقية على عامة النساء ممن يكتبن !‏‏

في معركة كهذه أعني ردود الفعل الغاضبة على مسألة أقل من عادية وبديهية بالنسبة للمجتمع الأدبي والثقافي في الغرب، نكاد نجزم أن كل عربي/بل غالبية العرب كي لا ندخل منطقة التعميم البغيض/ لن يتغيروا يوماً مهما استخدموا وسائل الحضارة والمدنية لأن عقولهم ومفاهيمهم ومبادئهم مازالت تستقي مرجعياتها الأكيدة والمقدسة من ماضٍ لم يفلح حتى الآن إلا في إشعال الحروب.‏‏

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد