الملك يدعو الجزائر للحوار من جديد

حسن السوسي / محلل سياسي مغربي مقيم بلندن

يعتبر خطاب الملك محمد السادس في الذكرى الثالثة والأربعين للمسيرة الخضراء خطابا مغربيا جزائريا بامتياز في شكله وفِي مضمونه على حد سواء. كما أنه خطاب الظرفية السياسية والاستراتيجية في آن واحد. فلأول مرة في تاريخ الخطب الملكية، بمختلف المناسبات، تم تصدير الخطاب الملكي بموضوع كان يمكن أن يتخذ له موقعا آخر ضمن خطاب ذكرى المسيرة الخضراء. إذ خص الملك محمد السادس موضوع العلاقات المغربية الجزائرية بالأولوية في التناول تشخيصا واستشرافا في ضوء مقترحات ملموسة تنتظر أجوبة من الجزائر ومقترحات حتى يمكن وضع سكة العلاقات الثنائية بين البلدين على سكة التطبيع والتوافق والتطور بما يحقق طموحات الشعبين الشقيقين في مختلف المجالات. فما هي دلالات هذه الأولوية في هندسة الخطاب الملكي؟ أو ما هي الرسالة المركزية في المجال؟ ليس هناك شك أن المغرب قلق من واقع الفرقة الذي يهيمن على مجالات العلاقات بين المغرب والجزائر وانعدام أفق لإصلاح الأعطاب الكثيرة التي تعاني منها تلك العلاقات. لذلك حاول من خلال دعوات ملكية سابقة إلى العمل على تجاوز هذا الواقع السلبي الذي يتنافى مع ممكنات المرحلة وطبيعة الطموحات الشعبية الراسخة لدى البلدين في تجاوز حالة القطيعة شبه التامة بينهما كما يتجلى ذلك في استمرار إغلاق الحدود بينهما منذ عام 1994. غير أن الجديد الْيَوْم هو أن الملك محمد السادس قرر أن يوجه رسالة قوية إلى قيادة الجارة الجزائرية عندما بدأ خطاب ذكرى المسيرة بالدعوة إلى إنشاء آلية للحوار على أي مستوى يتفق حوله البلدان حيث يتم مناقشة كل القضايا دون استثناء وبانفتاح تام على كل الآراء بغاية التوصل إلى الحلول العملية. وإذا كان تركيز الملك على طبيعة العلاقة التاريخية بين الشعبين الجزائري والمغربي خلال الكفاح المشترك من أجل الاستقلال من باب التأكيد على أسس تلك العلاقات الموضوعية في التاريخ المعاصر فإنه لا مناص من الوقوف عند عبارة ” دعم العرش للمقاومة الجزائرية” إبان الثورة ضد الاستعمار الفرنسي. ذلك أنها عبارة أريد بها على ما يبدو تصحيح عدد من المغالطات يتم الترويج لها،من حين لآخر، من قبل من ليست لديهم أي رغبة في رؤية أي تطور إيجابي للعلاقات المغربية الجزائرية مفادها أن الملكية المغربية لم تكن مساندة للثورة الجزائرية. بل هناك من يروج لكذبة أن حصول المغرب على استقلاله قبل انتصار الثورة الجزائرية مؤشر على تخليه عن دعمها وتركها وحيدة في مواجهة الاستعمار وجبروته العسكري. وإذا كان هذا هو موقف الملكية من الثورة الجزائرية فليس هناك مبرر لأي تشكيك أو تخوف من أن يكون لمغرب الْيَوْم أي موقف مناويء للنظام الذي اختاره الشعب الجزائري ليمارس حياته في إطاره انطلاقا من إيمان المغرب الراسخ بمباديء حسن الجوار واحترام اختيارات الشعوب وسيادتها. وفِي كل الأحوال، فقد آن الأوان لتنظيم حوار مغربي جزائري مستمر عبر إنشاء آلية ملائمة يتم التوافق حولها يؤول إليها البحث في مختلف الملفات ذات الصِّلة بالعلاقة بين البلدين لتعميق النقاش حولها ووضع جداول ملموسة لمعالجتها كما يوحي بذلك اقتراح العاهل المغربي في خطابه السادس من نوفمبر. فهل تستجيب القيادة الجزائرية لهذه الدعوة؟ هي وحدها المطالبة بالجواب

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد