عودة الى الذاكرة الموؤدة نشأة القرى العمالية النموذجية…

اليوسفية : عبد الخالق باحجوب

2 – خطبة بلاسنتيم

تجمع العمال في المكان المعلوم، وفي الوقت المحدد،  للاستماع الى ما سيحدثهم به بلاسنتيم، يدفعهم الحماس ويثيرهم الفضول لمعرفة فحوى هذا الخطاب الحاسم، الذي استهله بلاسنتيم بالتلويح الى بداية عهد جديد قائلا

– ان الادارة ستعمل كل ما في وسعها لتحسين وضعيتكم، نحن الذين نعرف مصلحتكم، سنعمل على انشاء مدينة جديدة، سيكون لكم فيها مستقبل زاهر، وستنعمون فيها بكل ما يرضيكم، لكن، لو تعلمون قيمة هذا التراب، لنفضتم آخر ذرة منه عن ثيابكم وأحذيتكم قبل مغادرتكم، وصمت برهة ثم استأنف، وعليكم أن تعلموا كذلك أن أبناء أبنائكم سوف يشتغلون أيضا من بعدكم في هذه الشركة، احذروا أن تفعلوا مثل ما يفعله بعض المستهترين، هكذا، (وبدأ يتمايل في مكانه محرفا قبعته جانبا الى الأمام حتى كادت أن تغطي احدى عينيه، ثم أخذ يهز كتفيه في عدم اكثراث)، قائلين:

– جمونفو..

احذروا وانتبهوا، قال ذلك وهو يمرر أصبعه حول أذن.. (وكان معظم العمال يعرفون دهاء بلاسنتيم ومكره، فلا أحد يسلم من شره، اذ كان يلاحقهم حتى خارج أوقات العمل، وان مر بأحدهم ولم يؤد التحية فالويل له).

في تلك الفترة كان قد اعتقل أحد العمال في منجم “الغشيوة”، بعد أن تم ضبط منشورات تحرض على مقاومة المستعمر في حوزته، وعلى اثرها تمت معاقبة كابران الفيلاج الذي كان يتغافل عنه، ولأنهم لم يجدوا أي دليل ضده، فقد اعفي من مهمته وزجوا به في الأشغال الشاقة..

لم يمر على خطاب بلاسنتيم الا بضعة أسابيع، حتى بدأت الأشغال على قدم وساق، لانجاز المدينة الجديدة غير بعيد عن البرارك، فكر المحجوب في نفسه ذات يوم بعد أن مر من هناك، وهو في طريقه الى السوق

– ترى متى سيتم بناء هذا المشروع الكبير ؟. وكانت اللهفة لرد ولو جزء يسير من الاعتبار تحول دون الانتظار.

لكن الأمور فاقت التوقعات، فلم تمض الا بضعة أشهر، حتى انتصبت المجموعتين معا، منفصلتين عن بعضهما، لكنهما متقاربتين فيما بينهما، فلاج البلوك لعامة العمال، وهو بناء متواضع لايختلف كثيرا عن البرارك، غير أنه منظم ومتماسك، اما الديور الجداد أو المدينة الجديدة، فكانت للمتقدمين في الرتب، وهي على هيئة المدن المغربية العريقة، أرضية مرصصة، أقواس كبيرة وأخرى صغيرة، أزقة ضيقة ودروب واسعة، منها المنغلقة على نفسها، ومنها المنفتحة التي تفضي بك الى الجهة الأخرى، وقد جاء على لسان ميزوناف وهو يسلم مفتاحا كبيرا للمحجوب قائلا له، مبروك عليك الدار في المدينة الجديدة، فكان من المحظوظين..

هكذا، وبعد مرور ما يناهز عقدين من الزمن على اقامتهم في مجموعة البرارك، هاهم يحملون أمتعتهم البسيطة، ويتجهون متفرقين ما بين البلوك والديور الجداد، بعد ذلك مباشرة بدأ هدم البرارك، ونقل حجارتها الى مكان آخر.

في كلا المجموعتين مركز للتموين، سقاية لكل جهة من جهات كل مجموعة، تشترك المجموعتين في كل من النادي، والمستوصف، والفران والحمام..

بالاضافة الى مكتب الرئيس المشرف على هاتين المجموعتين، أقاموا حائطا على مشارف البلوك يمثل شاشة سينمائية في الهواءالطلق..

كما تم انشاء مجموعة في سيدي أحمد على غرار البلوك، ومجموعة المزيندة بنفس المواصفات في نفس الفترة، اذ كانوا هم بدورهم، اي عمال المناجم في تلك الناحية، يقيمون مجتمعين في دوار حمو، وهو مجموعة من البرارك كانت على غرار فيلاج الشلوح.

ظلت الانارة منعدمة في المجموعتين معا، البلوك والديور الجداد بضع سنوات، الى أن حل ذلك اليوم، حين اعترضت سيدة عجوز كانت تقطن مع أحد أفراد أسرتها هناك، سبيل المحجوب وهو عائد من العمل، لتخبره بالاسراع لتشغيل الراديو الذي يوجد في حوزته، فسألها مازحا:

– كيف عرفت بخبر الرديو؟

فأجابت مستغربة
– كل الفيلاج اوليدي يعلم أنه عندك راديو..

لقد كانوا مندمجين فيما بينهم ويعرفون الكثير عن بعضهم بعض، أما الراديو، فقد عرضه عليه موسوريس، ذات يوم عندما رآه يجوس ببصره فيما يزخر به متجره من تحف عجيبة وأشياء جميلة، فاشتراه منه على دفعتين.

في تلك الفترة بدأت تنشط حركة خفية أثناء الليل، يسمع هسيس خطوات، لا تلبث أن تختفي بسرعة، وفي الصباح الباكر تجد على عتبة الدار، من تحت الباب منشور يحمل صورة مسدس وعبارة “ليسقط الاستعمار”، وبدأت أعين الجواسيس والمتربصين تترصد كل حركة وسكنة تنجم عنهم في المجموعتين، وربما لهذا السبب تطلب الأمرتوفير الانارة.

في الليل بدؤوا يجتمعون – بعض الجيران والأصدقاء – عنده لتتبع صوت القاهرة التي كانت في تلك الحقبة منبرا للقومية العربية التي كانت تدعو الشعوب المستعمرة الى المقاومة من أجل الحرية..

ذات ليلة وفي ساعة متأخرة، اهتز الباب بضربات قوية، وبدؤوا يصيخون بسمعهم، وما كاد المحجوب يخفض صوت الراديو، حتى تكرر طرق الباب بقوة أشد:

– من الطارق ؟ صاح المحجوب وهو يقترب من الباب،

فجاءه الصوت من الخارج:

– اطفي الضو وانعس امولاي، لم يمهله العساس حتى يفتح الباب، بل اكتفى بتنبيهه وانذاره من غير أن يراه وجها لوجه، تكتم الآخرون، وظلوا يرهفون السمع خلف الباب، يتابعون ابتعاد خطوات العسس، ثم خرجوا متسللين الى بيوتهم، أما المحجوب فلم يعد يفتح المذياع الا بمقدار همس مسموع، وذلك بعد أن يحكم اغلاق باب غرفة النوم مباشرة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد