شذرات من الذاكرة المفقودة والمنسية…

اليوسفية عبد الخالق باحجوب

1 – هكذا تحدث الراوي:

من بعد أن حط الطاقم الاستعماري الفرنسي رحاله بهذه المنطقة من قبيلة احمر، وأنشأ مستعمرة كشكاط – لوي جونتي، التي تألفت من اقامة “ديور النصارى” وفيلاج الشلوح العمالي المتمثل في مجموعة البرارك البدائية، يفصل بينهما وادي كشكاط الذي حولوا مجراه الى محيط مستعمرتهم، وذلك من أجل استغلال الثروة المنجمية المكتنزة في هضاب الكنتور ..

وبعد عبور المريكان والتحاق معظم الفرنسيين وجحافل من الكوم المغاربة بجيوش الحلفاء، لتحرير فرنسا من قبضة الألمان، وتوخي الحيطة والحذر خشية القصف..

في أحد الأيام تعرضت لحادثة شغل، حملوني على اثرها الى المستشفى. في نفس القاعة التي نزلت بها، كان يرقد أسير ألماني، ممن سقطوا أخيرا في يد الفرنسيين، فجاءوا بهم إلى هذه المستعمرة للاستفادة من خبرتهم التقنية في صيانة المعدات والآليات المستخدمة. وكانوا أربعة أسرى يقيمون تحت الحراسة في مرآب، حدث أن أكلوا ذات مرة جيفة، وهو حصان ميت، كان يرقد مريضا في مرآب آخر الى جوارهم، بالمستودع المركزي.

كان بجواري أحد المرضى، قدم لي كأس شاي وكسرة خبز، فما كدت أهم بالأكل حتى انتبهت للأسير الألماني، وهو يتطلع الي جاحظ العينين بين البراد والكأس في يدي، أشرت اليه برأسي، هل ترغب؟ فتهلل وجهه الشاحب ورد علي مطأطئا رأسه بالقبول، وما إن قدمت له الكأس والخبز، حتى شرع  يلتهم بشراهة، امتلأ فمه وانتفخت أوداجه وهو يمضغ وعيناه جاحظتان، وفجأة سعل ثم عطس بشدة، حتى استطار فتات الخبز من أنفه وفمه على من حوله، فانفجر كل من في القاعة بالضحك.

غادرت المستشفى بعد أن تماثلت للشفاء، وعدت إلى العمل، في الأيام الممطرة يتعذر العمل في القاعة التي تتم فيها عملية التنشيف، فكنا ننتقل بين مصالح أخرى للقيام بأشغال مختلفة، حسب الأولويات…

وأنا في طريق العودة من العمل في منتصف النهار، واذا بصيحة مدوية، خرجت على اثرها مدام كوطة مهرولة لاتلوي على شيء، وهي تصرخ وتصيح:

 

– كفى كفى.. الحرب انتهت،

وما كادت تنهي صيحاتها، حتى دوت صفارة الانذار أكثر من مرة للاعلان عن ذلك، واذا بهم يخرجون راكضين يحملون راياتهم، ويطوفون في الشوارع، فرحين مهللين، متعانقين، يهنئ بعضهم بعضا، توقفوا عن العمل، وأعلن ذلك اليوم يوم عطلة، وبدأت الاحتفالات.

بعد ذلك مباشرة بدأت عودة الناجين من الحرب على التوالي، ولم يعد آخرون. كما تمت عودة أولئك الأسرى الألمانين الى بلادهم ..

ذات سبت طاف البراح بالفلاج، وأعلن أن على هؤلاء العمال أن يبادروا غدا صباحا عند السقاية، بالقرب من مرآب الاستحمام، للتجمع هناك، كل قبيلة على حدة، لم يكونوا على اطلاع بتلك المجزرة الرهيبة التي حدثت في منطقة خريبكة – واد زم، حيث تم الاجهاز على مجموعة من الفرنسيين، وعلى اثر ذلك بدأ التأهب والاستعداد من طرف أقاربهم في هذه المستعمرة، للثأر من هؤلاء العمال وهدم البرارك على رؤوسهم، وكذلك التخطيط لمداهمة السوق يومه الأحد. وحدهن الخادمات هن اللواتي جئن بالخبر مساء السبت، بعد أن تابعن الأحداث عن كثب، وشاهدن الفرنسيين وقد اشتد حقدهم وغضبهم، وتأججت رغبتهم في الانتقام. لكن ما ان علم ضولوم الحاكم العسكري بالخبر، حتى هب مبكرا صباح يوم الأحد الى المستعمرة، ومعه فرقة من الكوم، انتشروا فيما بين السوق و”ديور النصارى”، وأعلن حالة الطوارىء، ثم اجتمع بالمستوطنين الثائرين وحذرهم من اثارة الفتنة، التي سوف تكون عواقب اخمادها وخيمة، بينهم وبين قبائل “لوبيرات” أو القراصنة، كما كانوا يعرفون..

ثم اتجه بعد ذلك بفرقته رأسا الى البرارك، حيث وجد الأهالي من العمال مجتمعين، على مشارف الفيلاج، متأبطين شرا هم أيضا للدفاع عن أنفسهم بعد أن علموا بالخبر، ترجل ضولوم عن حصانه، وقدم السلام، ثم خاطبهم بأعلى صوته مباشرة، بأن عليهم أن يستمروا في عملهم كالمعتاد ولا يخشون شيئا، كما حذرهم من مغبة القيام بأية محاولة قد تعود عليهم بما لا تحمد عقباه. وما ان انتهى من كلامه، حتى قفز على ظهر حصانه، موليا وجهه نحو الجهة التي أتى منها تتبعه فرقته. انضمت القبائل المجتمعة الى بعضها، حتى أصبحت جمعا غفيرا، وخيم السكون على الفيلاج الذي كاد أن يتحول الى مقبرة جماعية ثانية، بعد مقبرة بعد سيدي موسى الموحشة..

حل ضيوف عند  ميزوناف، انهما آل بيروني، والدا زوجته، في زيارة لنسيان ما خلفته الحرب من مآسي وأهوال عانوا منها الكثير هناك، فكان مسيو بيروني المسكين يقفز في مكانه كلما أصفق الباب بشدة، أو سمع أية حركة مفاجئة، لقد صرح للمحجوب أنهم كانوا مرغمين على ترك أبواب بيوتهم مفتوحة، حتى يتسنى للجنود الألمان أن يدخلوا لأي بيت يرغبون فيه، ويتصرفون فيه كما يحلو لهم، يأتون على ما يجدونه أمامهم من طعام وشراب، ويختارون من النساء ما يشاؤون والويل لمن يفتح فمه بكلمة.

أما مدام بيروني فقد كانت مرحة ونشيطة، تحاول ما أمكنها نسيان الحرب، التي لم تكن لها رغبة في الحديث عنها، واقترح ميزوناف على المحجوب – بطلب من مدام بيروني – أن يأخذها معه في جولة الى السوق، والى حيث يقيم بين أهله، للتعرف على حياتهم هناك. وكان ذلك صباح يوم الأحد حيث خرجا وقطعا الطريق بين الأشجار الى أن أشرفا على حافة الوادي، وانحدرا عبر الممر الذي رسخته خطوات العمال في الذهاب والاياب الى العمل، ثم صعدا من الجهة الأخرى الى الضفة الجنوبية لوادي كشكاط، حيث توقفت مدام بيروني لحظة، وهي تشرف على مجموعة البرارك المكدسة على بعضها، مقطبة الجبين، لم ينبس أحد ببنت شفة، استأنفا سيرهما ببطء نحو الفيلاج الذي بدا موحشا في ذلك الصباح الداكن، الأزقة الضيقة والمتردية شبه مقفرة، وجوه شاحبة سرعان ما تظهر وتختفي، وبمجرد ما دلفت مدام بيروني الى داخل البراكة، حتى ندت عنها آهة حزن عميقة، رحبت بها السيدة أم الخير جارة المحجوب، وقدمت لها كأسا من الشاي وكسرة خبز، كانت قد حضرته لهذه المناسبة، لم تشرب مدام بيروني الا رشفة واحدة مجاملة على حضورها، ثم تساءلت : هل كل البيوت متشابهة ؟ أخبرها المحجوب أنها كذلك، ثم أعلنت في غضب: انها أقرب ما تكون زرائب للخنازير وليست لايواء البشر، وبقيت تردد بين الفينة والأخرى وهي تتميز من الغيظ: أوه يا الاهي.. هذا مستحيل .. مستحيل !!

ثم قامت مضطربة الخطى وهي تحث المحجوب على الاسراع بالذهاب. وفي السوق لاحظت مدام بيروني أشياء كثيرة، لم يفتها التعليق عنها، وهي تحاول أن تبدو عكس ما كانت تخفيه من خيبة وانكسار.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد