المصطفى أحسني : متتبع للشأن الإيراني
عرفت بعض المناطق في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الأيام القليلة الماضية، حركات احتجاجية مطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية للمواطن الإيراني جراء الارتفاع في أسعار بعض المواد الأساسية، وهذا الأمر لا يقتصر على بلد دون غيره، فسكان العالم بأسره يشكون من هذه المشاكل نظرا لعدة عوامل وتراكمات منذ سنوات،لم تعد تخفى على أحد، إلا أولئك الذين يتحينون الفرص للترويج للأكاذيب والترهات، لعلهم يجدون من ينساق وراءها بهدف إثارة الفتن وحرف بوصلة تلك الاحتجاجات والمطالب المشروعة والتي تكفلها القوانين والدساتير،عن مسارها الطبيعي والحقيقي خدمة لأجنداتهم ومخططاتهم المكشوفة.
إن ما دفعني اليوم للكتابة في هذا الموضوع ليس القلق على الوضع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأن ما يحدث هناك لا يبعث على أي نوع من الخوف أو القلق، فالقيادة الإيرانية أبدت الكثير من الحكمة والتبصر والتعقل في إدارة هكذا أزمات، وهي تدرك جيدا كيف تعالجها، كما أن الشعب الإيراني واع جدا ومتماسك ويؤمن بأن توفير الرفاهية الاجتماعية يوازيه تعزيز الأمن والاستقرار في بلاده، إنما الذي استوقفني هنا وأصابني بالقرف إلى حد الاشمئزاز، هو تكالب جل وسائل الإعلام العربي والغربي وبعض أولئك الذين يصفون أنفسهم بالمحللين السياسيين والمنظرين لما يسمونه “الثورات”، والذين لا يتقنون سوى أساليب التهويل والتضخيم، ويتحدثون عن أشياء لا وجود لها أصلا بل هي مجرد أضغاث أحلام،وتخرصات،يسعون من ورائها إلى التغطية على تلك الهزائم والخسائر التي مني بها أولياء نعمتهم على جميع الأصعدة،محاولين تغطية الشمس بالغربال.
وفي ذكرى إحياء ملحمة 9 (30 كانون الأول/ ديسمبر) التي تخلد لوأد الفتنة التي خطط لها أعداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنة 2009 بعد الانتخابات الرئاسية، فقد أظهرت هذه المراسم مدى التلاحم القوي بين الشعب الإيراني وقياداته السياسية والعسكرية والأمنية، وأعطت الدروس والعبر للمتربصين و”المستبشرين” ، وبعثت الرسائل الصريحة والمشفرة لكل من يضمر أو يعلن السوء لإيران، وقد كان البيان الصادرة عن هذه الاحتفالية خير رسالة، فعلى من يهمه الأمر أن يستوعبه جيدا،فلا تسامح مع كل من يسعى لإعطاء الذريعة بيد الأعداء وتوفير أرضية اليأس بغرض تقويض الاستقرار والأمن الذي ينعم به الشعب الإيراني، وفي المقابل لن تدخر القيادة الإيرانية أي جهد من أجل حل مشاكل الشعب المعيشية ومكافحة التضخم المتزايد، “داعيا للمزيد من يقظة المسؤولين المعنيين تجاه فتنة الاستكبار الجديدة. ودعا البيان المسؤولين في السلطات الثلاث لبذل أقصى الاهتمام لصون الوحدة، مؤكدا على التفعيل العملاني للاقتصاد المقاوم المؤكد عليه من قبل سماحة قائد الثورة الإسلامية بغية رفع قدرة التصدي لإجراءات الحظر الظالمة والفتن الجديدة للشيطان الأكبر أميركا”.
نعلم بأن خلال العشر سنوات الماضية عرفت بلدان العالم ارتفاعا مهولا في المواد الغذائية وهذا باعتراف الجميع من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، والبنك العالمي إلخ.. من المؤسسات والمنظمات العالمية المعنية، إذن فالأمر لا يخص بلد بعينه، لكي تخرج أبواق الفتنة للتهويل، فعصابات الدسائس والأحابيل لن تنجح في خداع الجماهیر مرة أخرى كما فعلت في عدة أقطار تحت مسمى “الربيع العربي” في البلدان العربية والذي تحول لكارثة أتت على الأخضر واليابس ودمرت وقتلت وهجرت شعوبا بكاملها، أو تحت مسمى “الثورة المخملية” في الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنة 2009، والتي تصدى لها الشعب الإيراني بكل حزم وجدية فوأدها في المهد. فالمطالبة بالعيش الكريم وتحسين الظروف الاجتماعية والمعيشية للمواطن حق مشروع وواجب على الحكومات،لكن عندما تنساق وتنحرف هذه المطالب عن سكتها ومسارها الطبيعي، ويستغلها الأعداء لتحقيق أهدافهم المسمومة عن طريق تجييش الجماهير الغاضبة وزرع المندسين لترديد شعارات سياسية تعبر عن مطامح وأطماع الخصوم، فهذا لن يتحقق في ظل تماسك القيادة الإيرانية التي خبرت مثل هذه المؤامرات والمخططات منذ عقود، وتعرف كيف تتعامل معها، وكذلك لن يكتب لهذه الدسائس والمكائد النجاح مع وجود شعب إيراني قوي ومدرك لخبث الأعداء المتربصين ببلاده على مدى سنوات، وسوف لن يوفر لهم أي ثغرة أو فرصة للمس باستقراره وطمأنينته، ولن تنطلي عليه خطابات وتصريحات الدعم والتأييد التي تصدر عن المتكالبين والمتهافتين، فالتجارب ليست بالبعيدة بل لازالت بادية للجميع، فنحن لسنا من أصحاب “نظرية المؤامرة” لكنا لا ننكر أن هؤلاء يتربصون بالأمة الإسلامية على مر الزمن، ويدبرون المخططات الشيطانية كلما وجدوا الفرصة لذلك، فعندما يعلن المتآمرون الدعم والتأييد للاحتجاجات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ويتبجحون بوقوفهم مع المحتجين فهنا تتجلى المؤامرة، حيث أن هؤلاء هم آخر من يحق له إطلاق هكذا تصريحات، والشعب الإيراني لن تنطلي عليه مثل هذه الأضاليل .