اليَسارُ العَالمِيُ بيْنَ فشَل الأمَمِياتِ والبَحْثِ عنِ المَرْجِعيّةِ

الأستاذ محمد الهلالي

4- “الوحش الوديع” ومستقبل اليسار:

لم يعد اليسار الاشتراكي، حسب الكاتب الإيطالي رفائيل سيمون Raffaele Simone  (ازداد سنة 1944)، حاملا لأي مشروع كبي  يتناسب مع خطورة المرحلة وحجمها. ومما يزيد وضع اليسار تعقيدا كون اليمين يتميز عنه بفهمه واستيعابه لعصرنا الذي يتميز بالفردانية، والغلو في الاستهلاك، والعجلة في كل شيء، والارتهان لوسائل الإعلام. لقد عرف اليمين كيف يكون نفعيا وبراغماتيا بدون الإحالة على إيديولوجية علنية. ولقد لجأ اليمين إلى التحالف مع أرباب المقاولات والمالكين لوسائل الإعلام من أجل تسويق مجتمع “الاستمتاع”، والدفاع عن مصالح الناس على المدى القصير، والوعد بتحقيق الأمن. إن مشروع اليمين هذا يسميه رفائيل سيمون “بالوحش الوديع“(1). يقول في وصفه له: “يصف ألكسيس دو طوكفيل Alexis de Tocqueville في كتابه عن الديمقراطية في أمريكا شكلا جديدا من السيطرة يندمج في حياة المواطنين الخاصة، مطورا نزعة تسلطية وتحكمية أكثر اتساعا وأكثر وداعة، تحط من قيمة حياة الناس دون أن تعذبهم. هذه السلطة الجديدة لم تعد الكلمات القديمة، مثل الاستبداد والاضطهاد والتعسف، تعبر عنها بشكل ملائم. وتعمل على تحويل المواطنين، الذين خاضوا صراعات من أجل الحرية، إلى حشود من الأفراد المتشابهين الذين يشتغلون بلا كلل من أجل الحصول على متع سوقية”(2)، ويضيف قائلا أن “هؤلاء الناس يضعون مصيرهم في يد سلطة ضخمة ووصية عليهم، تتحمل مسؤولية ضمان تحقيق متعهم، وتركز كل جهودها لتثبيتهم في طفولتهم طيلة حياتهم. فهي ترغب في أن يستمتع المواطنون حتى لا يفكروا إلا في المتعة، فهي تهتم بأمنهم وتيسر حصولهم على المتعة، وتقوم بتليين إراداتهم وإخمادها وسلب عقولهم”(3).

يذكر رفائيل سيمون(4) أن “الوحش الوديع” فرض نفسه على الحداثة عبر ثلاثة واجبات هي:

– الواجب الأول هو الاستهلاك الذي هو مفتاح النظام، فالسعادة تتحقق بالاستهلاك وفي الاستهلاك والشراء والتسوق والحصول على المال بأبسط وأيسر الطرق، وتفضيل التبذير على التوفير، والشراء على الرزانة، والأنانية الفردية على احترام البيئة.

– الواجب الثاني هو الاستمتاع، واعتبار العمل أمرا ثانويا وبدون قيمة، وتفضيل أوقات الفراغ (والعطل والتنزه والألعاب والبرامج التلفزيونية التي تتحدث عن المشاهير) عن العمل. فالاستمتاع ينظم إيقاع حياة الأفراد ويعيد تشكيل معالم المدن التاريخية والطبيعية ويفرض تشييد الفنادق الضخمة والمراكز التجارية. كما يحتل التلفزيون والألعاب الإلكترونية والحواسيب مكانة مركزية في الحياة. بل إن الأحداث المأساوية تتحول، حسب منطق الاستمتاع هذا، إلى مشاهد للفرجة، وإلى ألعاب فيديو. وبهذه الطريقة ينسى الأفراد الأزمات الاقتصادية والمضاربات المالية وخطط التقشف وانتهاكات الحريات…

– الواجب الثالث هو عبادة الجسد الشاب، وصَبْـيَـنـَة الراشدين. فـ”الوحش الوديع” يرعب الأشخاص الذين يعانون من السمنة والتجاعيد وتقدم السن، فصار تجديد الشباب صناعة ثقيلة، بحيث نرى أن الناس يلهثون في جميع أنحاء الأرض بحثا عن أنظمة الحمية، وينفقون الثروات من أجل الحصول على مستحضرات التجميل لتبدو الوجوه ناعمة ومراهقة، ويستثمرون في جراحة التجميل وعمليات شد الوجه (الليفتنغ) وحقن البوتوكس…

يلاحظ رفائيل سيمون أنه “لم يوجد في التاريخ البشري مجتمع يخضع لاستبداد الجسد والشباب مثل المجتمع المعاصر”، وأن لهذا الاستبداد نتائج أخلاقية وخيمة على العلاقات بين الأفراد تتمثل في سيادة “نزعة أنانية واستعلائية وصبيانية تحتقر التعب والجسد العليل والمسنين والبشعين والمعاقين، وتحتقر كل ما يُفَنّدُ أسطورة الشباب الخالد”.

لم يتمكن اليسار من امتلاك “فهم حقيقي لهذا الانقلاب الحضاري المتمثل في انتصار الفردانية والاستهلاك”، وبقي “متشبثا بأفكاره الاجتماعية القديمة”. وهذا يعني بكل بساطة أنه “خسر المعركة”. ومن الغريب أن الأزمة الخانقة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي لم تدفع الناس للانضمام لليسار. وسبب ذلك حسب رفائيل سيمون هو “خضوعهم للوحش الوديع”.

قد يكون “الوحش الوديع” هو إيديولوجية العولمة التي استفادت استفادة قصوى من الوسائل السمعية البصرية ومن الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، ومن تقادم صيغ التعبير اليساري عن أطروحات اليسار إضافة إلى تشرذمه وإنهاك نفسه بالحروب الداخلية.

وإذا كان اليسار العالمي لازال مشروعا مستقبليا، سواء تعلق الأمر باليسار الاشتراكي الديمقراطي، أو اليسار الشيوعي أو يسار الأممية الرابعة، فهل من الممكن أن يعرف وعي اليساريين طفرة نوعية تجعلهم يجدون طريقهم نحو تشكيل قوة يسارية عالمية لمواجهةِ “ليفياتانِ”(5) عصْرِنا: العولمة  ؟

هوامش:

1) – Le Monstre doux. L’Occident vire-t-il à droite ? Gallimard, 2010

2)  Le Monde, 12-09-2010

3)  نفس المرجع.

4) – Agir par la culture, n° 28, Hiver 2011

5) ليفياتان Leviathan، وحش مذكور في الأساطير الفينيقية، وذكرته التوراة باعتباره وحشا بحريا. واستعمله طوماس هوبز Thomas Hobbes للدلالة على الدولة في مؤلفه الذي يحمل نفس الكلمة كعنوان. واستعمل الكلمة أيضا الفيلسوف ألان Alain والشاعران رامبو وأبولينير والكاتب فيكتور هوغو.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد