الباحث السوسيولوجي الدكتور فريد بوجيدة
لم تخضع كرة القدم في المغرب للدراسة بالشكل الكافي، وبقيت بعيدا عن السؤال السوسيولوجي الذي لم في هذا الشأن إلا في بعض الأحداث وما نتج عنها من عمليات تخريب. من النادر أن نجد بحثا متكاملا في موضوع كرة القدم، مع العلم أن للظاهرة حضور لافت في المغرب كما في دول أخرى، مما يستدعي وضع هذه الظاهرة تحت المجهر.
1 ـ ظاهرة كرة القدم
الظاهرة الاجتماعية تعني ما يظهر، أي ما يمكن ملاحظته، وكرة القدم ظاهرة اجتماعية بامتياز، بل تُعَد حاليا من أكثر الظواهر الاجتماعية بروزا، وباعتبارها كذلك فهي لا تخص أفرادا منعزلين بل هي مشتركة بين عدد كبير جدا من الناس، وهذه هي الصفة الأساسية التي حددها علماء الاجتماع حين اعتبروا أن الظاهرة تكون جماعية حينما تكون مشتركة بين جميع أعضاء المجتمع أو على الأقل الأغلبية منهم. إنها لعبة جماعية تستقطب عددا كبيرا من الناس يشاركون في طقس يوحدهم، ويوجه سلوكياتهم ليجعل من الأحلام الفردية حلما جماعيا، وترفع درجة التصعيد السيكولوجي الفردي إلى الاندماج المُنمط بفعل التكرار.. هكذا تفعل كرة القدم مع جمهورها، فهي تستدرجهم كلعبة في البداية ثم تجعلهم فيما بعد منخرطين نجباء، وعندما يتحدث أي لاعب عن القيم والتربية الرياضية يعرف أن اللاعبين والجمهور (باعتبارهم فاعلين) منخرطون فعلا داخل فعل له قِيَمُه وأخلاقه وضوابطه الإيديولوجية، يتلقون ما يتلقاه المواطن داخل أي مؤسسة أخرى.. والأفعال الاجتماعية التي تحصل داخل هذه الجماعات (…) تؤسس ما أسماه مارسيل موس الوظائف الكبرى للحياة الاجتماعية.
أخذت كرة القدم هذا الاهتمام من خلال شعبيتها التي استمدتها من الانخراط السهل والطوعي في اللعبة، وبما أنها لعبة فهي لا تتطلب عندنا إلا كرة من الجلد وفضاء للجري، وهذا يكفي لخلق الانتشاء والسعادة، لأن الفطرة تتكلف بالباقي، الجري وراء الكرة والقذف والمراوغة والفرح والتصويب السليم… لهذه الأسباب شكلت كرة القدم ولا زالت اللعبة الأكثر شعبية في العالم؛ فهي ملاذ الفقراء ورياضتهم، وبما أنها شعبية بهذا الحجم كانت ولا تزال أداة من الأدوات التي تقرب الفاعل السياسي للجماهير، وكل ما يرتبط بالكرة يصبح ذا أهمية في تحديد الفعل السياسي الرسمي وغير الرسمي؛ الفضاء والأشياء واللاعبون والرموز والأناشيد وكل العلامات المرتبطة بتاريخ الفريق…، ومن جهة أخرى يصبح الفاعل السياسي لاعبا أساسيا ضمن لعبة جماعية هدفها الظاهر الكرة والفريق وأمجاده، لكن ما هو خفي أن هذه اللعبة تصَرّف فيها أكثر السلوكيات عدوانية من خلال عرض هيستيري تستوي فيه الجماعة وتنتظم خارج كل تدرج أو تراتبية، تسمو عن كل ما يمثل الروح العقلانية في فهم العالم وآليات تسييره وتدبيره وتصل إلى ما أسماه “غوستاف لوبون” بعدوى الجنون، حيث تتخلى الحشود عن كل الطموحات الواقعية لتنخرط في عرض لاعقلاني، الذي كان في الماضي احتفالا تتسامى فيه الرغبات وتتساوى، وأضحى الآن طقسا منظما له يومه (يوم الأحد) وله مكان ثابت هو الملعب كما له شهود وأتباع من الميسورين و”الرعاع”.
كرة القدم هي بالتأكيد أكثر من لعبة، لنلاحظ كيف أصبح فضاء الكرة محروسا من الخارج، ومفروشا من الداخل بالعشب الأخضر ومظاهر الزينة والعرس تشي بتصريف رمزي لا شعوري لأكثر الرغبات البيولوجية إمتاعا والتي تتمثل في قمة التفاعل والانتشاء بالقذف وإدخال الكرة في الشباك.
وما يميز هذه اللعبة عن العرس أنها استعراضية أكثر من اللازم، من الاستعراض الرسمي إلى الاستعراض الشعبي الصرف، مرورا باستعراض العضلات وتسريحة الشعر والرقصات المجنونة، ليتحول الاستعراض الرياضي مع لمسات المخرج إلى عرض تجاري، ومع رجل السياسة تحولت كرة القدم التي كانت مجرد لعبة إلى تنظيم شبيه بالتنظيمات السياسية، تنظيم له هياكله وفروعه كما له مؤسسون وزعماء، منخرطون وأتباع ، فاعلون ومتعاطفون، برامج وشعارات، رموز ورايات..
والميزة الثانية لتنظيمات كرة القدم تتجلى في مقومات الانضباط العسكري، أي مركزية صارمة وترابية وانضباط وقواعد منظمة تنظيما محكما… وجيش مُدَرّب على الاستعراض يدافع عن حوزة الفريق، ويقوم بتصريف المواقف والضغط عند الحاجة، هو عنصر التوازنات ورقم أساسي في الملعب.
لكن كرة القدم الآن تسيطر في الظاهر وفي الخفاء لأنها أصبحت من أكبر القطاعات الاقتصادية عالميا حيث السيولة المالية لا حدّ لها، ريع وعمولات، واستثمارات في كل المجالات، مشاتل تنمو ونجوم تتلألأ، وأجساد تركض، ومراهنات بالملايير، فعندما نسمع مثلا عن الكرة الذهبية التي تمنح لأحسن لاعب كل سنة، نرى بالفعل أنّ الكرة ذهب بالفعل، وبمعنى آخر الكرة تبيض ذهبا، وهذا يكشف أننا انتقلنا من رياضة الركض إلى الركض من أجل الذهب، نحن نعيش إذن عصر الكرة كما عاش السابقون عصر الفلاحة والصناعة والتقنية، وعاشوا الحداثة أيضا. لكرة القدم أرقام لها دلالات خارج الرياضة فهي تدبير وتخطيط واستثمار وتسويق ثم أرباح خيالية، يعني أضحت منجما بالفعل.
2ـ كرة القدم كظاهرة تعكس تحولا في المجتمع
إن ما يشكل هاجس السؤال في البحث السوسيولوجي هو المجتمع وآليات اشتغاله، والأساليب التي تجعل مجتمعا ما يسير في هذا الاتجاه أو ذاك، وبالتالي الهاجس الأساسي هو التغير بالدرجة الأولى. وفي غياب كل أشكال التتبع ذات الطابع العلمي المؤسساتي سواء الرسمي أو المستقل تبقى آراؤنا مرتبطة بالتقديرات الفردية، وكل الملاحظات نستخرجها أساسا من حجم الظاهرة، فالمعطى الكمي يكشف عن الظاهرة الاجتماعية بوضوح، وإذا كان “مارسيل موس” قد حدد ما هو اجتماعي في “كل طرق التصرف والتفكير التي يجدها الفرد سلفا وتنتقل عبر التربية”، فإن الاجتماعي أيضا ما يخضع للتنميط بفعل التقليد والتكرار، وهو ما يظهر في العلاقات والسلوكيات الجماعية التي شكلت علامة على التحولات الاجتماعية في المغرب . ومن خلال هذا الفهم يمكن النظر إلى كرة القدم ليس باعتبارها لعبة عادية بل لعبة حاملة لمضامين اجتماعية لا زالت تؤطر الفعل الاجتماعي، سلوكا وعلاقات، أفرادا وجماعات.
تتجاوز لعبة كرة القدم في تأثيرها كل الحدود، وتخترق كل الضفاف، وتمثل في قوة جذبها الرهانات الكبرى، فهي في نظر البعض عنوان للتنمية لأنها ساهمت في تطوير بعض الدول خاصة على مستوى البنية التحتية، وهي شكل من أشكال تثبيت الوطنية والاندماج الهوياتي، لأن لها القدرة على جمع الشعب بطوائفه وطبقاته، وعند البعض الآخر هي مادة من مواد التخدير الجماعي تفوق في تأثيرها معظم الأجهزة الإيديولوجية سواء في الاستقطاب والتنظيم الحركي أو في التهييج المتحكم فيه، كما أنها (كرة القدم) شكل من أشكال الفرجة والبهرجة والانتشاء. ولكل ذلك يمكن القول إن كرة القدم تحمل كثيرا من الدلالات والمؤشرات، فهي من حيث الامتداد والتوسع عاكسة للتحولات الكمية تصبغ الشرعية على كل الأفعال الاجتماعية، ومن حيث التأثير فهي عاكسة للتحولات الكيفية التي تبرز فعل الزمان في الإحداث والقيم… نعيش انتقالا من الرياضة المبنية على الجهد العضلي إلى ما بعد الرياضة، حيث تم استغلال ثمرات العلم لتطويع الأجساد وجعلها في خدمة الرأسمال الرياضي واستغلال ثمرات التقنية.
3ـ الكرة، الجمهور، العنف
يجب أن نفرق بين العنف الذي يعتبر جزء من لعبة كرة القدم أي الاعتماد على القوة الجسدية في أقصى صورها، والعنف باعتباره شكلا من التعبير وتصريف المواقف، ففي الحالة الأولى يرتبط العنف بالقوة وبتشكُل النماذج الجسدية المُطوعة وفق عقلية جديدة تروم إلى الرفع من التنافسية وتحطيم الأرقام القياسية وجعل التفاعل في أقصى صوره كما في كل الرياضات (أو ما أسماه مشال بجس دولون” رأسمال المظهر”)، وفي الثانية يكون العنف شكلا مدمرا تستعمل فيه كل الأدوات الممكنة، ويكمن الفرق بين الاثنين في أن العنف في المستوى الأول مرتبط بوتيرة العمل ولا أقول الرياضة لأن الرياضة مرتبطة بالمتعة، أما العمل مرتبط بالجهد والإنتاجية والتنافسية وصناعة القوة، وتثبيت الوظائف الفعالة في الاحتكاك الجَيِّد والنفس الطويل والقدرة على التسجيل، والانتصار، بالإضافة إلى تمكين الآلة الإعلامية من خلق النماذج البشرية وتأهيلها للمجتمع المشهدي كما سماه “غي ديبور”، أما العنف في المستوى الثاني فيرتبط بالجماعات الاجتماعية (خاصة أن جمهور كرة القدم أغلبه من الفقراء) وبالتالي يصبح شكلا من أشكال تصريف الطاقة الغريزية والمواقف والاحتجاج، لكن المفارقة أنه حتى في حالة الفرح يكون الاحتفال عنيفا، ويطرح علينا سؤالا كبيرا حول حضور العنف في الملاعب بهذه الكثافة، وكيف تحول العشق إلى عنف ؟
لعل المتتبع لكرة القدم العالمية يعرف أن ما قلناه عن كرة القدم مرتبط بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأنها منتوج غربي ساير مختلف الأنظمة السياسية الديكتاتورية منها والديمقراطية، وكل أشكال الافتتان بكرة القدم لا يمكن أن ينسينا أنها (لعبة) تخضع الآن للمراهنات والرهانات الكبرى بين عالم المال والسلطة والتحكم، مما يلغي عنها البراءة المزعومة كرياضة خلقت للمتعة، ولا يخفى الدور الذي تلعبه الشركات الكبرى في توجيه هذه اللعبة الغير بريئة، وهو الأمر الذي يشعل التنافسية القصوى في هذا العالم، ودخول الرأسمال يعني شيئا واحدا وهو الربح، ولتوضيح هذه الصورة يمكن ملاحظة العلامات التجارية في الملاعب وعلى أقمصة اللاعبين وكيفية صناعة الرأي العام من خلال إعلام قوي وفعال الذي ينتج بدوره مستهلكا نهما وسلبيا، وداخل هذه الحرب تتموقع الجماهير الكروية وهي مدججة بترساناتها التنظيمية وبقواعدها وجيوشها.. وهكذا انخرط المغاربة كغيرهم من الشعوب (مرغمين في إطار العولمة)، في عالم الكرة المستديرة وتموقعوا مع المتموقعين جماعات جماعات، وأعادوا إنتاج نفس اللعبة وبطريقة أقل صنعة وأكثر شراسة وحولوا كرة القدم إلى حرب ضروس تحول معها الجمهور إلى فيالق وألوية ورايات وشعارات وأدوات للتخريب.. كيف نفسر هذا العشق العنيف ؟
إن عملية إنتاج الفرجة الكروية صناعة عالمية غير أن الطابع الخاص لكل دولة يمنح لكرة القدم شكلها، ففي أمريكا اللاتينية على سبيل المثال ارتبطت كرة القدم بالحلم والجنون والاستعراض والعنف أيضا، وفي أوروبا ارتبطت بما سماه “يورغن هابرماس” بثلاثية المال والسلطة والإعلام، واقتسم المغرب مع أمريكا اللاتينية الحلم ومع أوروبا السلطة، وباختصار منحت كرة القدم للفقراء حلما ووهبتهم بصيصا من الأمل مفاده أن الطبيعة يمكن أن تنصف الموهوبين، وتعطي للجمهور أملا في معانقة النصر أي نصر كيفما كان، فهي أفيون بالمعنى الماركسي لأنها تجسد مثالية الحلم على الأرض، وتخلق بريقا للحالمين وتساعدهم على التفريغ الكامل للطاقات الغريزية.
فمن الأحياء الهامشية انطلقت الخلايا النائمة لتبحث عن الحلم والنصر المبين، وحينما غاب النصر كان البحث عنه في انتماء أممي ولجوء جديد إلى البطولات الأجنبية، ليتقمص الفقراء أدوارا جديدة وانتماءات خارج الهوية المعتادة، من أجل تحقيق الحلم الذي تحول إلى استلاب، وليجد المشجع البئيس ضالته في انتصارات فريق آخر ويضفي عليه طابع القداسة حتى وإن كان أجنبيا، وفي المقابل يحاول كل المنافسين الحالمين بكل الطرق تدنيس فريق الخصم لتتحول المنافسة “الشريفة” إلى مشادات كلامية ومعارك عنيفة، مثلا يحاول كل مشجع إبراز العلاقة بين فريق الخصم وإسرائيل وهذا ملاحظ من خلال الصور الحقيقية والفوطوشوب والكاريكاتير، وهذا الاغتراب المقنّع يدفع المشجع البئيس إلى الانتماء الوهمي للفريق الأجنبي سواء كان إسبانيا أو إيطاليا أو إنجليزيا، وهذا التقمص يتجلى في الدفاع المستميت عن أمجاد فريقه الجديد، وحينها يتكلم المشع البئيس يستعمل ضمير “نحن” ويقول بنبرة لا تخلو من انتشاء “لدينا كذا وكذا من الكؤوس، واشترينا لاعبا من كذا…”. إنه الاغتراب بكل معانيه. ويمكن أن نضيف أن المشجع البئيس والمغترب لا انتماء له في الغالب، فهو بحكم السن فارغ التكوين، منقطع انقطاعا تاما عن الدراسة، لا مهنة تحميه من غدر الزمان ولا مؤسسة تأويه من الضياع، وهو يعيش مجردا من الانتماء البيولوجي، لذلك يعلن انتماءه الكلي للفريق ويقدم له ولاءه التام من خلال طقوس معينة يحفظها عن ظهر قلب.