الأستاذ محمد الهلالي
2- هل هناك يسار عالمي ؟
تشير عبارة اليسار العالمي إلى تيارات متعددة، نُسجت فيها بينها علاقات عداوة وصدام، ونشبت بينها حروب، كما عرفت في بعض الأحيان كيف تعقد تحالفات ظرفية. فاليسار العالمي قد يكون يسارا اشتراكيا، أو شيوعيا، أو تروتسكيا، أو يسارا على هامش اليسار الكلاسيكي.
يرتبط الاهتمام باليسار العالمي في عصرنا بالعولمة. وكأنها هي العامل الحاسم الذي سيعمل على إحيائه. وهذا يعني في نفس الوقت أنه غير موجود أو ضعيف. فالمؤرخ ماسيمو سالفادوري Massimo Salvadori (ازداد سنة 1936) يرى أن هناك “فرصة للاشتراكية في عصر العولمة”، وأن تدويل التطور الاقتصادي يفرض على “الأممية الاشتراكية” أن “تعمل على تصدير الحقوق الاجتماعية إلى الأماكن التي تعاني فيها اليد العاملة من الاستغلال الرأسمالي الأكثر قسوة والأقل مدنية”. في حين يشير الفيلسوف يورغن هابرماس Jürgen Habermas (ازداد سنة 1929) إلى وجود جوابين على العولمة: إما مواكبة الليبرالية الجديدة، بالدفاع عن سياسة اقتصادية للعَـرض وعن دولةٍ مقاولةٍ تتلاءم مع السوق العالمية وتتخلى عن حماية المجتمع، وإما تبني سياسة التخندق، أي تبني سياسة الحماية. ويسجل أن الخيار الثاني يضعف المثل الديمقراطية الكونية المجسدة للمساواة، ويغذي العداء تجاه التنوع الثقافي، كما أن فشله حتمي بسبب سيطرة اقتصاد ليبرالي تَـنْـتُـجُ قواعدُه بصفة جزئية عن المفاوضات السياسية بين الدول. وتكمن أهمية اليسار العالمي في إعطاء الأولوية للسياسة على السوق، فالسياسة هي التي يجب أن تحدد الشروط التي تسمح بتحرير مجال السوق. وهذا الاختيار يحتاج لتكتلات سياسية موسعة قادرة على “تعويض خسارة الدولة للسيادة الاقتصادية دون التفريط في الشرعية الديمقراطية”.
أما عالم الإجتماع أولريش بيك Ulrich Beck (1944-2015) فيتحدث عن وجود “قوة مولدة للتعدد داخل اليسار” في مواجهته للعولمة، بحيث نجد يسارا يتبنى مواقف حمائية، ويدافع عن الدولة الوطنية الضامنة للأمة والديمقراطية والحماية الاجتماعية، ويسارا ليبراليا جديدا يعتقد أنه قادر على تسريع تدويل الدولة الوطنية عبر دمجها في العلاقات الاقتصادية الدولية والمنظمات التي تعمل فيما وراء الحدود الوطنية، ويسارا عالميا لم يعد يؤمن بالدولة الوطنية ويعمل على توسيع مجال الديمقراطية في طار هوية وشبكات عالمية، وهو اليسار الذي يناضل من أجل عولمة أخرى، عولمة بديلة.
لا يمكن إثارة مسألة اليسار العالمي دون التطرق لدور أوروبا في تشكيله في نظره. فعلى شعوب هذه القارة أن تقوم بدور تاريخي دون أن يكون الهدف من ذلك هو الهيمنة، كما كان شأن الاستعمار الذي انطلق منها في الماضي. إن أوروبا مهددة اليوم بفقدان مكانتها ودورها في اقتصاد العولمة. كما أن عليها نشر القيم الكونية للأنوار، ومواجهة تحديات “نتائج النمو الاقتصادي”، والتصدي لتشكل “أولغارشية عالمية”. وفي هذا السياق يتحدث الفيلسوف والمنظر للإيكولوجية السياسية “أندريه غورز” André Gorz (1923-2007) عن “فضاء أوروبي إيكولوجي واجتماعي”. واقترح السياسي والاقتصادي الاشتراكي الألماني بيتر غلوتز Peter Glotz (1939-2005) فكرة “الولايات المتحدة الأوروبية”. ولا يمكن لليسار أن يواجه العولمة، حسب هذا الأخير، إلا بالاعتماد على إستراتيجية أوروبية ترتكز على سياسة صناعية نظرا لان الدول فقدت السلطة على تدبير العمليات الاقتصادية. ويقر بأنه لا وجود ليسار سياسي أو نقابي أوروبي. ويدعو إلى ضرورة تشكيل “منظمات جديدة تحمل مشروع الديمقراطية الاجتماعية على الصعيد العالمي”.
تكمن ضرورة اليسار العالمي، حسب أولريش بيك Ulrich Beck، في تعرض المجتمع العالمي لثلاثة أخطار: هي الأزمات الإيكولوجية، والأزمات المالية، والشبكات الإرهابية. فمواجهة هذه الأخطار وخاصة الشبكات الإرهابية تتطلب تدخل الدول الشيء الذي يتعارض مع طبيعة الليبرالية الجديدة، وهذا يعني أن هذه المهمة لن تقوم بها إلا “الدول-الأمم”(1) عبر تبنيها لعمليات “التخلص الذاتي الفعال من العوائق الوطنية”. ولقد تم تجريب هذه الطريقة في محاربة الجرائم المالية، ومنع الشركات متعددة الجنسيات من أن تصبح دولا تسيطر على بعضها البعض وتخرب بذلك أنظمة الحماية الاجتماعية والبيئية.
أما المنظر السياسي البريطاني دافيد هيلد David Held (ازداد سنة 1951) فيرى أن قبول العولمة يحتاج “لاشتراكية ديمقراطية عالمية” و”لديمقراطية عالمية”. وإذا كان الاشتراكيون الديمقراطيون الوطنيون قد قننوا، في السابق، الرأسمالية من خلال إيجاد توافق ما بين الرأسماليين والعمال والدولة، الشيء الذي أدى إلى وجود “ليبرالية مؤطَرَة” تعترف بفضائل السوق وتصحح نتائجه الهدامة عن طريق سياسة اجتماعية تدخلية، فإن ذلك التوافق لم يعد ممكنا نظرا لقوانين العولمة. فالجواب اليوم يجب أن يكون عالميا، وهو يتمثل في الاشتراكية الديمقراطية العالمية التي بإمكانها أن توحد الليبراليين المعتدلين ومناهضي العولمة الإصلاحيين على أساس مبادئ المساواة في القيمة الأخلاقية والحرية، ومن أجل سيادة الحق والعدالة الاجتماعية، والفعالية الاقتصادية والتوازن الإيكولوجي على الصعيد العالمي.
إن الأوضاع الاقتصادية في عصرنا ملائمة، في نظر الكثير من الباحثين، لتشكيل اليسار العالمي. فهذه الأوضاع تتميز بتفاقم البطالة وتراكم الديون وسيادة سياسات التقشف من جهة، وحماية البنوك من طرف الدول. إضافة إلى وجود رأي عام عالمي ضد تضخم مركزة الثروات، وضد الحكومات المرتشية، والتنديد بالطبيعة غير الديمقراطية للحكومات بالرغم من وجود ظاهرة تعدد الأحزاب، واندلاع حركات احتجاجية على الصعيد العالمي: حركة “الغاضبون” Indignados في إسبانيا، الحركات الاحتجاجية في بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (والتي سماها الإعلام المحافظ “ثورات الربيع العربي” علما بأنها ليست بالثورات وليست حركة عربية خالصة لاستحالة ذلك)، حركة الوقوف ليلا nuit debout بفرنسا، حركة المظلات Umbrella Movement بهونغ كونغ، حركة “احتلوا وول ستريت” بنيويورك (2).
أقر ماسيمو داليما Massimo D’Alima، الوزير الإيطالي السابق، بفقدان “الأممية الاشتراكية”، التي هي منظمة تنتمي للقرن الماضي، لأي وجود فعلي، ولتحولها إلى مجرد “نادي للأحزاب الصغيرة بعدما هجرتها الأحزاب الكبرى”. وطالب كبديل لها بتشكيل “تجمع عالمي للتقدميين” يواجه قوة المال العظمى العالمية، هذه القوة التي تحالفت مع العولمة وأجهزت على “المشروع التضامني لليسار الذي ظل حبيس الدولة-الأمة”.
تحتل العولمة ومواجهتها مكانة مركزية في مشروع اليسار العالمي. بل إن إيجاد إستراتيجية لمواجهة العولمة لا تنفصل عن إيجاد أداة تنظيمية وسياسية عالمية تقود وتنفذ تلك الإستراتيجية. يرى عالم الاجتماع بيير بورديو Pierre Bourdieu (1930-2002) أن “أسطورة العولمة” مكنت مالكي الرأسمال وإيديولوجييهم من تحويل الخيار السياسي القاضي بالتخلص من “الدولة الاجتماعية” إلى عملية محسومة لا رجعة فيها. لذلك فالرد عليهم يتمثل في الدفاع في نفس الوقت عن “الدولة الوطنية وعن الدولة العابرة للأوطان”، وفي بناء “كنفدرالية نقابية موحدة” تجسد مطالب “حركة اجتماعية أوروبية”. أما عالم الاجتماع والمنظر السياسي البريطاني بول هيرست Hirst Paul (1946-2003) فيرى الحل في عمليتين تدعم الواحدة منهما الأخرى وهما: التنسيق الموسع للسياسات الاقتصادية للدول، وظهور مجتمع مدني عالمي انطلاقا من الجمعيات. ويرى كل من بورديو وهيرست ضرورة توفر قوى اليسار على إستراتيجية على المستوى الأوروبي والعالمي تربط ما بين العمليتين السابقتين.
—
هوامش:
1) الدولة-الأمة: هي الدولة التي يوجد تطابق بينها وبين أمة توجد في مجال ترابي محدد ومعرّف وفق هوية مشتركة للسكان تمنح للأمة مشروعيتها. إنها مفهوم سياسي نتج عن تقاطع ما بين مفهوم سياسي وقانوني الذي هو الدولة وتصور يستمد معناه من الهوية وهو الأمة. تتميز الدولة-الأمة بممارسة نفوذ وسلطان يرتكز على السيادة المنبعثة من المواطنين. وحسب تعريف اليونسكو للدولة-الأمة، فإن هذه الأخيرة هي الدولة وقد أدمجت بداخلها أشخاصا لهم نفس الأساس الإثني والثقافي، لكن معظم الدول في الواقع هي متعددة الإثنيات.
2)
– حركة “الوقوف ليلا” Nuit Debout: حركة اجتماعية احتجاجية ظهرت في فرنسا في مارس 2016، تخترقها توجهات متعددة، بدون قائد ولا ناطق رسمي، ظهرت في باريس وانتشرت في عدة مدن فرنسية أخرى، كان محركها الأساسي الاحتجاج ضد تعديل قانون الشغل.
– حركة المظلات (المعروفة في الصحافة العربية بثورة المظلات): حركة احتجاجية ديمقراطية ظهرت في هونغ كونغ سنة 2014. سميت بهذا الاسم لأن المتظاهرين كانوا يستعملون المظلات لوقاية أنفسهم من الغاز المسيل للدموع. ولقد أطلق عليها في البداية اسم occupy central with love and peace (لنحتل مقر الحكومة المركزي بالحب والسِلم).
– حركة “احتلوا وول ستريت” (Occupy Wall Street, OWS)، حركة احتجاجية أمريكية اندلعت في نيويورك في شهري شتنبر وأكتوبر 2011.