“وليلي” للمخرج فوزي بنسعيدي: بناء الحكي والاختيار الجمالي

 

الباحث السوسيولوجي الدكتور فريد بوجيدة

سأنطلق من قناعة أساسية وهي أن التقنية وحدها لا تصنع فيلما جميلا، وأن المخرج الجيد هو القادر على تحويل الفكرة إلى عالم مرئي، وعلى خلق الكادرات الملائمة لمسارات الحكاية من البداية إلى النهاية، بمعنى ندخل إلى قاعة السينما من باب الإرادة والاختيار، لكننا في الحقيقة مع المخرج ندخل الحكاية من باب التشويق ولا نخرج منها إلا ونحن كما قال رولان بارث  R barthes“مُنَومون”، وفي كل الأحوال تشكل الحكاية أرضية لتعبيرات المخرج وقدرته على استدراج المتفرج داخل زمان ومكان معينين. “وليلي” قصة يحكيها المخرج فوزي بنسعيدي بكثير من الشاعرية والعنف كذلك، حكاية عبد القادر ومليكة، وعالمهما الصغير المفعم بكثير من الرغبة، ورغم زواجهما يجدان صعوبة في تصريف هذه الرغبة لعدم وجود مسكن خاص يجمعهما (يعيشان مع العائلة) ولشظف العيش (يشتغل عبد القادر حارسا داخل متجر خاص، ومليكة خادمة في إحدى الفيلات). قد تشبه هذه الحكاية حكايات أخرى كانت وستكون، لكن من باب الشهادة يرى المخرج المغربي فوزي بنسعيدي أنها تستحق أن تروى بلغة أخرى، ألا يمكن أن تكون فقط مقدمة لحدث استثنائي ؟  

تدخل الحكاية امراة (رمز الغواية والسقوط !!) لا تنضبط  للنظام المعمول به داخل المتجر الذي يحرسه عبد القادر، يحاول هذا الأخير منعها بحركة عنيفة، ولأن النظام خاص بالفقراء فقط، تصفعه وتكون الكارثة، سيعاني عبد القادر كثيرا، ففي الواقع هو من اخترق النظام، ولذلك سيعاقب عدة مرات، بدنيا بتعنيفه، وقانونيا بطرده من العمل، وأخلاقيا بجعله موضوعا للسخرية ومادة للتفكه البرجوازي من خلال تصويره وتعريضه للإهانة المتكررة، فالنظام تقول الحكاية نظامين، واحد للفقراء وآخر للأغنياء، والأخلاق منظومتين واحدة للمعدمين والثانية للمترفين، وعبد القادر كان ضحية لفهم ساذج للنظام حين اعتقد واهما أن بذلته النظامية  تعطيه سلطة فرض النظام، في حين أنه حارس لنظام وضعه الأغنياء، لذلك لم يفهم دوره جيدا داخل منظومة رأسمالية جديدة لا تستغل الفقراء فقط بل تجعلهم حراسا للنظام  الذي يسحقهم. ومع توالي الضربات يفهم عبد القادر أن حبه أضحى مستحيلا في زمن غير الزمن وفضاء غير الفضاء، وأن رغباته المؤجلة لا تعني شيئا أمام الظلم الطبقي لفئة مستغلة ومتفسخة أخلاقيا. وفي مسار موازي ستكتشف مليكة هذه الحقيقة وستطلب من زوجها الرحيل لكنه سيقرر الانتقام.

ترى كيف روى فوزي بنسعيدي ما رواه ؟

لنكن منصفين للجهد الذي قام به المخرج في بناء الحكاية وتركيب عناصرها، وكيفية التخلص من المسار التقليدي الذي كان يتحكم في النهايات، وكان المخرج ذكيا في عدم فتح أي تصالح مصطنع بين عالمين متناقضين، بل جعل النهاية بداية لاحتمالات ممكنة (البطل لم يمت لكنه لم ينتقم). 

تتحدد “وليلي” في بداية الفيلم كمدينة قديمة جدا تتميز بقوة الصمود بمعالمها الأثرية الخالدة، وببناياتها العالية تشخص القوة والعنفوان خاصة أن الكاميرا تقوم بمسح عرضي للوحة في أرضية رخامية جميلة لا زالت صامدة، وهي تعبر عن ذوق النبلاء. وبالرغم من شساعته يبدو الفضاء غير قابل لممارسة الحب على اعتبار أنه أصبح مجالا ذا بعد تسويقي ومحتكرا، “وليلي” كفضاء لم يعد رومانسيا ولذلك اعتبره المخرج خلفية لحكاية ستبدأ. من هنا ندخل مع المخرج إلى المساحات الضيقة، الدروب والمنازل والأسطح والشاحنة الصغيرة، والمتجر… لكي يبرز لنا العالم الجديد. فمن خلال الانتقال إلى الأمكنة الضيقة أبدع المخرج لوحات تعبيرية في منتهى الروعة عبر توليف الصورة والصوت خاصة في مشهد المقهى وهو مشهد تعبيري يعوض الفقدان بالإشباع الرمزي، هنا تظهر القيمة الحقيقية لعمل المخرج الذي استطاع رمزيا أن ينقل ذلك المزيج بين الرغبة المفقودة والمتعة الحسية عبر إيحاءات جنسية متبادلة، يرافقه شدو حزين ورائع لأسمهان الذي لم يكن إلا تعبيرا عن قمة الفقدان. وفي هذا الإطار كان المخرج الكبيرFELLINI  محقا حين اعتبر السينما هي “الإحساس الذي من خلاله نعبر عن هذه الوضعيات” ولذلك كان يعطي أهمية كبيرة للتشخيص واختيار الوجوه التي تمثل تلك المشاهد. فاختيار الممثل حسب فيلليني ينبع من الوجه المعبر وما يحس به المخرج اتجاهه، وهو الامر الذي نجح فيه فوزي بنسعيدي إلى حد كبير، مرتكزا على قاعدة فيلليني التالية: “لا يمكن لكل واحد أن يكون إلا وجهه، ولا يمكن أن يكون آخر”، لذلك نجد في هذا الفيلم كل ممثل في مكانه الحقيقي. وفي هذا المستوى وانطلاقا من الحضور الفعلي لمخرج درس المسرح جيدا، كان الإقناع وكان الاختيار موفقا.

وفي مستوى آخر يمكن أن نتحدث عن العلاقة بين القصة والفضاءات واختيارات أخرى تتعلق بالتركيبات المرئية والعناصر الجمالية التي يمكن أن نقرأها داخل و خارج التتبع الخطي لمسارات الحكي، هنا تبدو خصوصية فوزي بنسعيدي، أي كيف عبر عن تدحرج البطل وسقوطه المدوي وهو من عالم القاع، والسقوط التدريجي للشخصيات الأخرى من العالم البرجوازي ؟ وكيف وازن بينهما على مستوى الحضور المرئي ضمن اختيارات جمالية محددة  ؟

أن نقوم بتأطير مشهد ما يعني “أن نحدد الحدود الخارجية في العلاقة مع الواقع أمام الكاميرا”، وفي هذا الصدد اشتغل المخرج بشكل مبالغ فيه أحيانا على الكادرات، إذ عوض الفضاءات الكبرى باشتغال جيد على لقطات قريبة ومكبرة وهو اختيار واع نابع من قناعة استمدها من مخرجين كبار استلهم منهم (كما يقول دائما) روعة البناء وهندسة الرؤية. فالتأطير باعتباره تشكيل هو اشتغال جمالي، لكنه في نفس الوقت وظيفة أساسية لتصريف المعنى، والتعبير الايديولوجي، وليس من السهل لمخرج ما أن يتحكم في المسار السردي دون استحسان حرفية الاشتغال على الكادرات والوعي بها، كأداة للتشكيل وفي نفس الوقت كوظيفة لتصريف المعاني. لقد أكدنا في السابق على التشخيص واختيار الممثلين، لكن لابد من الاشارة إلى الممثلة الرئيسة مليكة (نادية كوندا)، وكيف جعلها المخرج مادة أساسية لتشكيل لوحات فنية في كل مشاهد الفيلم، إذ أننا نساير معها إيقاعات الحكي من البداية إلى النهاية (الرغبة والفرح والحزن والقلق والخوف..)، وبالرغم من التفاوت على مستوى الجمالي من مشهد إلى آخر، فإن هذه الإيقاعات ترتفع في كل مشهد، ووظيفتها المؤثرة تتقوى حسب أداء هذه الممثلة. وفي منحى آخر نجح المخرج إلى حد كبير في المزاوجة بين الجمالية والرمزية في تشكيلات متعددة: انهيار البطل وسقوطه في أسفل الدرج وبروز الكلب، في تناقض تام مع  مشهد الحصان وهو يملأ بقوة وبهاء الإطار بكامله، مشهدان يكثفان مسارات الحكي جماليا ورمزيا، ويمكن أن نتحدث عن المرئي واللامرئي، فالاختيار في الصورة كما يقول سعيد بنكراد “لا يكمن في انتقاء ما يجب أن يكون مرئيا، بل أيضا في ما يجب ألاّ يرى”، وفي هذا الصدد استغنى المخرج عن مشاهد العنف، مع أن العنف حاضر بقوة الإيحاء، كما استبعد أي مشهد جنسي مع أن الرغبة كانت موضوعا من موضوعات الفيلم، وهنا ربما فوزي بنسعيدي يقول ما قاله المخرج الإيطالي الكبير Roberto Rosselini “أعرف ما أريد قوله، وأجد الوسيلة المباشرة لقوله” “مهمتي أن أعبر عن الروح عن النور داخل هؤلاء الناس، عن واقعهم الحميمي”. ذلك أن انحياز المخرج لأبطاله (عبد القادر ومليكة) كان واضحا في اختياراته الفنية كذلك، فقد استثمر أدواته التعبيرية في الكشف عن واقعهم وإبراز فقرهم وضعفهم، وفي نفس الوقت قام بتعرية الطبقة البرجوازية خاصة ساديتها المفرطة، وقد نفهم أن تصوير هذه الطبقة لم يخضع لأي تنويع على مستوى اللقطات والزوايا، وكان تعامله باردا يعكس تماما برود العلاقات التي تربط أفرادها، فتم تصوير كل المشاهد من بعيد من خلال زجاج مكشوف، في حين كانت كل اللقطات المكرسة للبطلين متنوعة خصوصا ذلك التلاحم الجسدي وطابع الالتحام الذي قصده المخرج في الكثير من المرات.

ختاما يمكن أن نعتبر الفيلم إضافة جديدة للسينما المغربية، واجتهاد يغني مسار المخرج واختياراته الفنية والجمالية، ورؤية لواقع جديد لمغرب يعرف كثير من التحولات. 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد