الأستاذ محمد الهلالي
1- الوحْـدة العُـمالية والوحْـدة السِـياسـيَة
اختتمَ كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك إنجلز (1820-1895) كتابهُما “البيان الشيوعي”، الذي صدرَ سنة 1848، بالجملة الشهيرة التالية: “يا عمال العالم اتحدوا”(1). صارت هذه الجملة منذ ذلك الحين شعارا عالميا يجسد بكثافة أحد الأهداف الأساسية للمشروع الماركسي الذي هو وحدة العمال على الصعيد العالمي. هذه الوحدة التي ينبغي عدم خلطها بوحدة الفاعلين السياسيين اليساريين ووحدة هيئاتهم التنظيمية.
وإذا كانت الفكرةُ اليسارية، التي هي الفكرة الثورية المعبر عنها من خلال فكر كارل ماركس وأتباعه، فكرةً كونيةً تكتسبُ طابعها الكوني من كونية الاستغلال، فإن مشروع اليسار هو مشروع عالمي يستجيب في عالميته هذه لعالمية الرأسمالية وتطوراتها المتتالية من استعمار وامبريالية وعولمة.
وبالرغم من أن لينين قد استعمل شعارا آخر يستجيب للتحالفات التي فرضتها مرحلة حركات التحرر الوطني والحروب الامبريالية، وهو الشعار الذي يقول: “يا عمال وأشخاص الأمم المضطهدة اتحدوا”، فإن شعار ماركس وإنجلز ظل الشعار المعبر عن أهمية الطبقة العاملة في التغيير. ولقد استعملَ بعض الماويين الشرقيين شعار لينين، كما استعمِلَ هذا الشعار في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية (الأممية الثالثة) سنة 1920.
وإذا كانت وحدة العمال ضرورة لانتصارهم، فإنها لا تتم بمعزل عن وحدة التنظيمات اليسارية المعبرة عن مصالحهم والتي يُفترض فيها أنها ستقودهم للنصر من جهة، ومن جهة أخرى، لا تحل محلهم وتستبد بمشروعهم وتحكم باسمهم.
ولقد كانت وحدة العمال ووحدة اليسار على الصعيد العالمي موضوع خلافات وصراعات، وأدت إلى حروب إيديولوجية وانشقاقات واتهامات بالخيانة واتهامات مضادة بنفس التهمة. وكان أهم عائق أمام إنجاز وحدة اليسار ووحدة العمال: العصبوية، أي النزوع نحو الانقسام والتشرذم والتشتت.
كان المثقفون والمناضلون المحترفون يرغبون دوما في الحلول محل المنتِجين المستغَلين، ويستغلون لتحقيق ذلك مواقعهم في القيادات المركزية للحركات السياسية اليسارية. ولقد نعتت روزا لوكسمبورغ (1871-1910) تلك المواقع “بالمركزية المتآمرة والدسّاسة التي تعني خضوع فروع الحزب لهيئته المركزية، وتوسيع نفوذ وتحكم هذه الهيئة إلى أقصى هوامش الحزب”(2)، وتشبه أعضاء اللجنة القيادية الحزبية ببهلوانيين بارعين لا يدركون أن الموضوع الوحيد الذي يهتم به القادة هو “الأنا” الجماعية للطبقة العاملة التي تطالب بالحق في أن “ترتكبَ الأخطاء وتتعلمَ من ديالكتيك التاريخ”(3). لقد أدت المركزية في التنظيم إلى تضخيم دور القيادة. ولقد عبر عن هذا الأمر بوضوح هرمان غورتر Herman Gorter في رسالة بعث بها إلى لينين سنة 1921 يقول فيها: “كنتم تريدون التنظيم فحصلتم على الفوضى، كنتم تريدون الوحدة فحصلتم على الانشقاق، كنتم تريدون القادة فحصلتم على الخونة، كنتم تريدون الجماهير فحصلتم على الطوائف”(4).
وهذا الأمر أكده العديد من الفاعلين البارزين في الحركة الشيوعية والعمالية. تقول سوزان فوت(5) Suzanne Voute (1922-2001): “لقد سادت حملات الوشاية ضد المعارضين، وتحولت أسرار أكاذيب الحزب إلى نظام، وأخفيت المنعطفات الكبرى وراء استمرارية الواجهة، وعمم منهج العقوبات التأديبية، والترقيات، وتخفيضات الدرجات والرتب… والطرد بتهمة عدم الانضباط لسلطة حزبية آنية نصبت نفسها بنفسها على المناضلين”(6).
كان المناضلون “أمواتا بالنسبة للحزب” كما عبر عن ذلك جاك كامات(7). وسادت القاعدة التي لخصها راوول فيكتور كما يلي: “إذا رفضت أن تصبح رفيقَ الدرب فستتحول إلى طفيليات أو إلى جُـثة”(8).
—
هوامش:
1) نقشت هذه الجملة على قبر كارل ماركس في مقبرة “هايغات” Highgate بلندن.
2)- Rosa Luxemburg, Marxisme contre Dictature, Spartacus, Cahiers mensuels, Paris, 1946
3) نفس المرجع.
4) أرسل هرمان غورتر هذه الرسالة إلى لينين سنة 1921، بعدما أرسل له رسالته الشهيرة سنة 1920 تحت عنوان “رسالة مفتوحة إلى الرفيق لينين”، والتي تناول فيها الجماهير والقادة، المسألة النقابية، النزعة البرلمانية، الانتهازية في الأممية الثالثة. والرسالة منشورة في موقع الماركسيين:
https://www.marxists.org/francais/gorter/works/1920/00/gorter_19200000_1.html
5) تعتبر “سوزان فوت” فاعلة وناشطة مهمة في الفرع الفرنسي لليسار الشيوعي الأممي من سنة 1943 إلى سنة 1950. وكانت أيضا عضوة في مجموعة “روبل” Rubel لنشر أعمال كارل ماركس في منشورات “لابلياد” La Pléiade. طردت من الحزب الشيوعي الأممي سنة 1981، وأسست: Cahiers du marxisme vivant.
6) -Les leçons d’un éclatement, Cahiers du marxisme vivant, n°2, Toulon, 1994
7) – Benjamin Lalbat, entretien avec Jacques Camatte, Bélaye, 2014, p. 20.
8) مقال تحت عنوان: “على هامش عيد ميلاد، أكثر من 20 سنة من العصبوية الستالينية الجديدة…”، على الموقع التالي: