قراءة بقلم مجيدة السباعي
نه قصيد نثري بهي حالم، جادت به قريحة الشاعر محمد العاصمي يعزف على أهداب الروح قصة الإنسان وما لاكته ألسنة الزمان، ذكرى جرح غائر ووجع غاف يجسد واقعا اجتماعيا نفسيا معقدا، تجربة إنسانية راقية ترجمة إحساس خلاق دفين، يدعو إلى معانقة أمل عريض بألوان قزح يهدي حروفا مشاكسة تتضوع عطرا، تصفيقا للمرأة التي عانت من اغتيال أحلامها، وتكبدت الويلات إلى أن صنعت لها مجدا عتيدا.
عنون بنوارس المنفى لعائد من بسمة باذخة.
عنوان هامس رومانسي، مناسب جدا كعتبة مشوقة ومعبر لولوج القصيد المتميز، يترنم بشدو الحلم المتمرد على الواقع على مرارة المواقف اليومية العنيفة، حيك بحذق، يبث في دهن المتلقي الرغبة في استبطان الدلالات الموغلة في العمق وفتح الرسائل القارئة لنفوس الأبطال، غريب بطوله لكن منكه بغرائبية ألف ليلة وليلة، ويرمز بالنورس للمرأة لأنه يعيش حرا طليقا، يرفل متقلبا في الأجواء الواسعة بين عروش دوحة الحياة، يكره المنفى ولا يستبدل المرافئ، وأيضا يهاجر على صهوة السحاب، أما العائد فشهريار المستبد الذي انعكس وضعه وانقلب حاله، مفارقة تشد القارئ للتدبر والقراءة.
أما قصيده النثري فاختمر وتعتق وتشكل لغة تنفجر وتعيد البناء لتقدم بنية متماسكة خلاقة، جاء مضمخا بعبق الإيحاء وصهيل المجاز وجميل زخرف الصور، انفتح على عوالم الذاتي وجسد أغوار النفس، يرمي عالما خاليا من التناقضات.
ارتدى وشاحا جديدا وحلة تناسب ذوق العصر ومتغيراته، جاء لينا في اللفظ والتراكيب متحررا من سلطة القافية والنمطية، قريبا من الهمس والبوح ، يزخر بالدلالة والإيحاءات الكثيفة مع مراعاة الوحدة العضوية وتنوع الأنغام التي تتفتح كأزهار اللوز، حيث يتدفق الإحساس قويا شفيفا، يندس إلى الفهم بمرونة ويسر وينثر الألق البهيج.
اختار المبدع باشتهاء حروفا مشاكسة، تحقق لذيذ الإبداع تناسب صورا شعرية أنيقة مذهلة، شكلت في قالب فني متميز، ووظف قصدا الأسطورة لحضورها الوازن، إذ سمحت له أن يتصفح خلجان أسرار ألف ليلة وليلة.
نعم مثلت شهرزاد بين السطور بشموخ خرافي منكه بعبق التاريخ، شخصية أسطورية قدت من صهيل الخيال، لؤلؤة رمز الشرق الساحر، سيدة الفجر الوردي، امرأة حديدية عنيدة حد الجنون، قادرة على تأجيل موتها وتأخير سيف الجلاد هائما بدوخة وأمل الوصال محال وهذا المحال استباح الخمار والنقاب.
عاشت كل ليلة تجربة إنسانية معقدة جادة، معينها مستفيض البوح الخصيب، وسلاحها ذكاء ثاقب مكنها من علاج زوجها من عقدته الدموية، بعد أن قرر أن يشفي غليل غيضه كالدب الجائع بدماء العذارى ودحرجة الرؤوس.
ينبثق من جرح اللامألوف …. وهو القتيل بلا إثم
في جنائزية الانتقام المرهف … وسريالية المآثم البغيضة
كرست الجهد فأيقظت لديه الإنسان بعد سبات، أخمدت ألغام جرح نازف غسلت أدران نفس معذبة لملمت شظاياها بعناية، علمته أن العفو ألذ من الانتقام فأثملت روحه بقصصها المتسلسلة، الآسرة بمساءات حالمة بشدى كيان أنثوي، مبللة برحيق الفجر الصبوح، ومكللة بالإصغاء العميق الهادف إلى دعوة العدل والتسامح، فأطفأت نار انتقامه، خلصته من ساديته، فتصالح مع ذاته و صار متسامحا طيب السجايا، يستلذ العفو الجميل ويستطيب الصفح الكريم، مما يؤكد أن للمرأة قدرة خارقة وقوة متينة في الفكر لا العضلات.
ركبت سطوة العناد … واستمالت كل الحضور
بيعة التاريخ … ومطية الأنجم المنتظرة
لكن مبدعنا بمتخيله الحالم المحلق عكس الوضع والتناص، وبدل الأدوار فدارت عجلة الزمان الغادر كناعورة مجنونة على شهريار المتسلط، تعلن انتهاء عهد استبداد الذكر على الأنثى، فسقط من عليائه، تجرد من رداء السيد المهيب المطاع، كبح جماح أناه وأعاد تشكيل تضاريس ذاته، فانهارت صروح غروره بل نسفت إلى الأعماق، انهزام مريع أعاد حصانه إلى الأهل من غير فارس، من يقول أنه سيتودد منكسرا جاثيا على الركبتين ؟ يستميل رضا شهرزاد، لما تسلل التفاني بكلمها البلسم فغزا أسراب قلبه كما يتسلل ضياء الفجر المخملي، فبعد أن كانت مشاعره حيال المرأة قبلها مبتورة نافرة خفض لشهرزاد كل جناح، اختزل بعينيها كل البهاء، صار يراها الفطنة الذكية الشجاعة أميرة النساء واسطة العقد، فكأن قميص الحكي أعاد له نور البصيرة، بكى وتدلل وعلل مواقفه بذرائع واهية، وأقر أنها إنسان من حقها الاستمتاع بالحياة وبنفس الحقوق كالرجل، وأنها الغيث بعد طول جدب، كيف لا ؟ لقد ولجت معابر الحياة من أفسح الدروب، وطارت ترفل بأجنحة عزم عنيد تجوب سقف الدنيا، توسع مداركها قدراتها تسابق أجنحة النوارس، وتتقلب في الفضاء الواسع على مويجات نجاحاتها المتتالية، مما أثمل قلبها برحيق التميز، فاختالت سنبلة مثمرة منحنية تترنم بأذن الأصداف، وتستحم بضفائر شمس الحرية بعد كسوف كثيف ظللها بين نتن الحفر.
في حضرتها انقلب كل شيء .. هذه الروح المخدوشة
عن بعد من المشتهى … واصلت سطوعها
اكتفت من فوق الشرفة وهي تمتطي هودج فوزها وفي الدلال تميس أن رفعت منديلها الحريري لتؤجل الرأي فيه والقرار، أحجمت عنه بأنف مرتفع وحضور وازن، لما تجولت بدروب ذكرياتها واستحضرت اعتداءه السافر، باعته برخص فأصابته في مقتل وتركته كشجرة بدون لحاء.
حتما تسلطه كان يواري ضعفه تشبته واعترافه أنها تسكن تخوم قلبه، وأنها تتجول بشرايينه، بل هي كل دنياه، ضرورة ماسة تترسخ في فكره، وبها تكتمل الحياة، لكن لا حق لأحد أن يصادر أحلام الآخر.
صاح الديك فسكتت عن الكلام المباح