فاطمة الزهراء صلاح : كاتبة مغربية
سمعت صوت طفلة صغيرة، في سنتها الدراسية الأولى، و بداية عمرها وتصادمها مع الحياة الحقيقية ..
و هي تنوح بأعلى صوتها ، تناديي أمها الغائبة، في مؤسسة لرعاية الأطفال.
اصفر وجه سبعة عشر فتاة في فصل درس الأنجليزية. توقفت عن الدرس و تبعت النواح، مسرعة وراء مديرة المؤسسة، عائشة.. أسميها أم البنات!
التحقنا بالطفلة المنكوبة في ضياعها النفسي. كانت المربية تحاول تهدئة روعها وكان اليوم يوم جمعة.. عيد المحبة و الغفران.
نظرت إلى الطفلة في عينيها و هما جمرتين من الألم، وسط الأطفال المتخلى عنهم.
سألتها: “واش يمكن لي نحضنك و نهضرو؟” نضرت إلي ببراءة الطفولة الملكومة
صاحت: “يغيت ماما.. اديني عند ماما!” و رفضت كل الأحضان بحثا عن حضن صادق واحد..
قالت المديرة: سأطلب من أمك أن تزورك غدا.. “كنواعدك و يا الله صافي أحبيبة ديالي!”
رفضت الطفلة كل الأحضان المرحبة للمرة العاشرة بحثا عن دراعي الأم المختفية ولا أحد يعلم بضروفها!
و الطفلة ترفض الكف عن النواح والمطالبة بحضور أمها, قررت المديرة إرسالها مع المربية لنزهة قصيرة و شراء قطعة حلوى.. و أصرت الطفلة على الرفض..
اقترحت عليها أن أحكي لها قصة طفلة مثلها تسمى واسعة العينين و عن صبرها. انصتت ثم عاودت البكاء من جديد بألم تصاحبه قصائد الطفولة المجروحة: عافاكم بغيت ماما… فينا هي ماما.. ماما آجي اديني… ما عمرني ندير لبسالة .. ضربيني أماما، ضربيني و اديني معاك…”
كنا ننظر لبعضنا في صمت مهول. كيف تنضج الطفولة في لحظة حزن عميق و تعبر بسلاسة..
هرب الأب و ترك الأم بأربعة أطفال فأتت بالصغيرة التي لا يمكن أن تهتم بنفسها إلى الملجأ! ثم فتشت عن عمل في البيوت.
و لم تكف الطفلة عن النواح رغم كل محاولاتنا.. لم نرد أن نقاسمها البكاء حتى لا يتأزم الجميع أكثر.. غمزت المديرة بطرف عينها اليسرى و غادرت و هي تقول في حسرة: “طيبت لي قلبي!”
تبعتها المؤطرات و الطفلة تصيح: “ما شفتيش قلبي أنا ألي طايب أكثر منك!!!”
و قليل من الحبب يكفي!