من عقد بيعة الملك الى التعاقد من أجل تحديث الملكية

مصطفى المنوزي: حفوفي

إن ما يجري من مراسيم -في عيد الجلوس- مجرد تعبير الحضور عن الولاء ، ولا ينهض حجة على البيعة التي لها شروطها ومقتضياتها التعاقدية . فالبيعة تعاقد بين السلطان واهل الحل والعقد ، يلتزم خلاله المبايع بالدفاع عن الثغور وحماية الدين والملة مقابل المبايعة ، وهي عملية تتم مرة واحدة على راس كل عهد او ولاية ملك ما ، ولأن الدستور ينظم السلطة الدينية التي تخضع لمدلول وخلفية البيعة تحت إسم إمارة المؤمنين ؛ فإن الإشكال لا يطرح إلا عند رغبة وإرادة بعض احزاب اليسار التوفيق بين النظام الملكي الوراثي وبين مطلب دمقرطة الدولة والمجتمع في صيغة ملكية برلمانية ، وبالنظر إلى ان سؤال الدمقراطية هو المطروح بجدية عوض مطلب الحكم الجمهوري الذي لم يعد يطرح بنفس الحماس والإصرار ” الثوري ” ، وكذا هذا التحول الجاري في مفاهيم ( النضال من اجل السلطة ) الذي تغير الى ( النضال من اجل المشاركة في تدبير السلطة ) ، حيث تم تهذيب الصراع ” دمقراطيا ” باسم التغيير من داخل المؤسسات ، او العمل على إصلاح الدولة من الداخل ، إن صح التقدير ، غير أن الإصلاح وإرادة التغيير اعترضتها تمثلات ماضوية ، يرعاها عقل امني محافظ ، تكاد تضحي بكل التحولات الحثيثة ، ولعل فولكلور الولاء لأكبر حاجز نفسي يؤرق المضاجع ، وحان الوقت لإزاحته من طريق العهد الجديد ، فهو علة زائدة ، لكون المؤسسة الملكية في غنى عنها ، مادامت مجرد طقوس ، يزعم أنه يعبر من خلالها ممثلو السكان والاعيان وشيوخ القبائل ، ومن منتخبين ورؤساء الجماعات الترابية ، عن تأكيد مقتضيات عقد البيعة ، وتتم خلال كل ذكرى الجلوس على العرش .
وقد تطورت طريقة التعبير عن الولاء للملك / السلاطين سابقا ، من تقبيل الزرابي والاقدام (في عهد المرينيين ) الى الإنحاء كليا كالقوس ( في آخر طبعة ) ؛ وهي صورة لا تعني سوى أن هناك تكيفا مع مطالب تقليص مظاهر الخنوع ، والتي يحرص حراس التقاليد والمحافظة على إختزال هيبة الدولة فيها ، مما يستدعي التذكير بأن سر إستمرار الأمور في تحديث وتطوير جواهرها بدل المظاهر ، وما ذلك ببعيد خاصة وان العهد الجديد استطاع التخلي ، بالتدريج ، عن مظاهر الإحتفال الباذخة بعيد العرش ، بغض النظر عن الثورة على نفس الأعراف ، حينما تم تحرير مستخدمي القصور وتأهيل اغلبهم إلى موظفين يعتزون بكرامتهم ، وكذا طريقة عقد القران وما رافقها من إنفتاح محسوس ؛ دون ان نتجاهل تبوؤ مطلب المساواة جدول اعمال الحركة الدمقراطية حيث كان التجاوب بإصدار مظونة الاسرة في إطار مجال القانون بظل الظهير ؛ وكل ذلك في سياق تكريس المشروع المجتمعي الحداثي ، الذي لا يتصور تحقيقه في ظل تسييد تقليدانية تتعارض والمشروع المنشود ، فما احوج النظام السياسي إلى تعاقد جديد يكرس الولاء للقانون ودولة المؤسسات ويرسخ الإنتماء للوطن .

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد