التربية الجنسية للأطفال

 

الدكتور عزوز التوسي

– من أين ومتى تبدأ الثقافة الجنسية ؟
يمكن للثقافة الجنسية أن تبتدئ منذ السنوات الأولى للتعلم، لكنها في كل فترة من فترات النمو ينبغي أن تتكيف بحسب قدرات الطفل(ة) العقلية والانفعالية. إن هذا التكييف هو جوهر القضية، فالتربية الجنسية تماما كأي تربية أخرى (موسيقية ، دينية، جمالية، التربية على المواطنة، التربية على حقوق الإنسان، التربية على الصحة…) يمكن أن تبدأ مبكرا وتتدرج من حيث مضمونها وطرق تقديمها بحسب السن والإمكانيات العقلية التي تمنحها كل مرحلة نمائية. ويكون من السيء حرق بعض المراحل أو تعطيل خبراتها من خلال تقديم معارف أكبر من مستوى الأطفال أو بما لا يتلاءم وإمكانياتهم الوجدانية والانفعالية أو من خلال تأخير الإجابة عن بعض حاجيات الأطفال وتأجيل إشباع الفضول بصددها حتى تتم خدمة حاجة معرفية تيسر الصحة الجنسية والإنجابية في مرحلة محددة.

– ما هي الجوانب التي يجب أن تتطرق لها الثقافة الجنسية ؟
يمكن أن تحدث في التربية الجنسية عن مستويين أو مجالين هما في الواقع غير منفصلين، يتعلق المجال الأول بالمعارف والمعلومات المرتبطة بالصحة الجنسية والإنجابية. وتتضمن مختلف المضامين الهادفة إلى إكساب الطفل المعلومات الصحيحة والمتكيفة مع مستواه العقلي حول جسده ووظائفه وخاصة جهازه التناسلي وحول جهاز الجنس الآخر وحول الإنجاب وحماية الجسم من الأمراض التناسلية ومن الاعتداءات الجنسية وكيفية تنظيم الإنجاب وتفادي السقوط في الحمل غير المرغوب فيه وأهمية العفة والوقاية وغيرها.
أما المجال الثاني فيرتبط بإكسابه السلوكات الكفيلة بتحقيق صحته الجنسية والإنجابية آنيا ومستقبليا بما في ذلك تقدير الجسد وتحمل المسؤولية وحماية الذات وحماية الآخر…

– كيف يمكن أن تؤثر طابوهات المجتمع في عرقة الثقافة الجنسية ؟
للأسف ظل الجنس في مجتمعاتنا مرتبطا بالخطيئة وبالعار وبالقذارة، وأثر هذا التمثل الاجتماعي الذي لا يخلو من مفارقات غريبة، في كيفية تعاملنا مع حياة أطفالنا الجنسية، سواء المعرفية منها أو السلوكية كممارسات. وفي الوقت الذي يمارس الراشد حياته الجنسية والإنجابية بشكل يحقق إشباعاته الجسدية والنفسية، فإن تعامله مع حياة أبنائه وبناته الجنسية تتخذ منحى آخر حيث يتم تحريم التداول في هذا الشأن ولا يستساغ البتة التفكير في ذلك أصلا لأنه ممنوع على غير الراشد التطرق إلى هذه الأمور كما لو أن الحياة الجنسية والثقافة الجنسية محصورة فقط في الممارسة الجنسية.

وحتى عندما تحاول بعض الوسائط التربوية إغناء ثقافة الطفل الجنسية والإنجابية، فإن كثيرا ما تنبري بعض الأطراف للتصدي لإلى ذلك بمبرر المحافظة على الأخلاق ومحاربة الإباحية. وتلك خاصية الثقافات المحافظة التي تختزل التربية الجنسية في ممارسة الجنس.

– أي دور يمكن أن تلعبه الأسرة والمجتمع المدني في إشاعة ثقافة جنسية سليمة ؟
إن الطفل الذي لا يشجعه وسطه العائلي على طرح الأسئلة الجنسية التي تخلق لديه ارتجاجا معرفيا والذي لا يجد الإجابة الملائمة عن تلك الأسئلة، سيضطر إلى البحث عنها في مجال آخر ، غالبا ما يكون هو مجال الأقران الذين هم بدورهم لم يتلقوا أية وساطة في المعرفة الجنسية والإنجابية. والنتيجة هي ترسخ معلومات خاطئة في الغالب مصاغة من تمثلات لا تستند في مجمل الأحيان على أسس سليمة. ومن ثم فإن معارف مغلوطة تؤدي بالضرورة إلى ممارسات خاطئة. مرة في أحد المؤتمرات الدولية قدم شاب متعايش مع فيروس السيدا شهادة أمام المؤتمرين وافتتحها بقوله “إني أتهم أمامكم والديّ فقد كانا وراء إصابتي بهذا المرض العضال، ليس لأنهما نقلا لي الفيروس لكون إصابتي به تمت عبر سلوكي ولكن لكونهما لم يحدثاني أبدا عن كيف كان علي أن أحمي نفسي منه”.

إن كثيرا من الأسر يعتبرون أن ممارستهم لتربية أبنائهم تربية جنسية وإنجابية قد يرفع الحشمة والوقار، وهذا أمر في غاية السذاجة، لأن الطريقة التي يمكنهم بها أن يقدموا لهم معارف تنقذ حياتهم يمكن أن تكون في إطار من الاحترام إن هم عرفوا كيف يتدرجون في هذه التربية وألا ينتظروا حتى يحدث المشكل وبعد ذلك فقط يدعونهم للنقاش. سيكون الوقت قد فات وتشكل حائط سيكولوجي سميك بينهم وبين أبنائهم يصعب اختراقه لأنهم كلّسوا النفور من إثارة قضايا ترتبط بأحد مقومات حياة الناس.

ويمكن لكل المتدخلين الآخرين أن يلعبوا هذا الدور من مدرسة ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وغيرها. إن ممارسة كل هؤلاء الأطراف لدورهم التربوي في هذا المجال يقي من مجموعة من الكوراث والمآسي الاجتماعية والنفسية والصحية .

– أي دور تلعبه سياسات التنظيم العائلي في التعريف بالثقافة الجنسية ؟
ليست أهداف مخططات التنظيم الأسري سوى جزء من الصحة الجنسية والإنجابية، فهذه الأخيرة تتضمن مجموعة من المكونات من بينها تنظيم الإنجاب ، لذلك تيقى مثل تلك المخططات مهمة لكنها غير كافية لتحقيق الصحة الجنسية والإنجابية الكاملة

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد