اليوسفية: عبد الخالق باحجوب
منذ أن انخرط المحجوب في العمل وهو متلهف على السكن في فلاج الشلوح الوحيد هناك، حينما كان يعرج عليه، وهو مقبل أو مدبر من العمل كل يوم، يسأل الكابران إذا كانت هناك “براكة” فارغة للسكن، وعندما يجيبه بالنفي، أو يعرض عليه، يظل ممعنا بنظره نحو هذه “البرارك” التي لا تزال بعيدة المنال، ثم ينصرف الى حيث مقر اقامته، في أحد الدواوير، الذي يبعد بحوالي سبع كيلومترات عن مقر عمله. إلى أن جاءه الفرج خلال ذلك اليوم، عندما أشار له الكابران الجديد نحو”براكة” تقبع في محيط الفلاج، فشكره، ثم توجه اليها في الحال، فك السلك الذي كان يربط الباب الواهي بعمود يمثل الرتاج، خطوة واحدة إلى الداخل وجد نفسه يتوسط البراكة، اجتاحته في الحال جحافل البرغوث والناموس تكاد تخنقه، انسحب بسرعة إلى الخارج وهو يضرب ويهش بيد، ويغطي بالأخرى وجهه، دفع الباب الملفق إلى مكانه، ثم أتى بكومة من الحطب نثرها في الداخل، أضرم النار وخرج بسرعة، أخيرا استطاع الحصول على “براكة لوفيس”. وفي غبش الدجى من اليوم التالي بكر قبيل الفجر، جمع أمتعته البسيطة، على ضوء ضئيل، وودع محطته الأخيرة للالتحاق بمجموعة فلاج الشلوح الإدارية. ترك المحجوب كومة الأمتعة أمام “البراكة”، ليلتحق بالعمل الذي يبدأ في ساعة مبكرة، وفي المساء عاد مسرعا فوجد الأمتعة في مكانها، فنظف البراكة، وطلاها من الداخل بطين أبيض، ثم سوى الأمتعة البسيطة حيثما تهيأ له.
هنا حيث يقيم الرعيل الأول من المستقدمين والمستقطبين، الوافدين من كل حدب وصوب، الذين خاضوا غمار هذه الملحمة الأسطورية، وواكبوا أطوار أشواطها الوخيمة على ايقاع رهيب، فمنذ أن حطوا رحالهم للاقامة في هذه المستعمرة، وهم يدبون ويكدون في الأوراش وفي المناجم، ليل نهار، كأسراب نمل، لاتكل ولا تمل، مساحة البراكة لا تتعدى مترين، يقضون حاجتهم في الخارج، حوانيت متواضعة، ونزر يسير من شعير حائل، وقطاني رديئة، ومتآكلة، كل شيء مفقود، بما في ذلك الدقيق والسكر والزيت، مسجد حجري صغير، سقاية لجلب الماء، ومرآب للاستحمام في الشهر مرتين.
يطوفون حول بعضهم، يهيئون ما تيسر من قوتهم الزهيد، وكذا جمع الحطب، وتكويمه بجانب الموقد، وإعداد الفتيلة والقنديل للإنارة في الليل، حيث يجتمعون في المساء، مواكبين ايقاع الغربة وسوء المصير، وفي نهاية المطاف ، يتكومون على أنفسهم، هاجعين متخبطين، يراكمون الهموم في رفوف كياناتهم الأزلية، ينغص الجوع والبرد سكينتهم، ويقض مضاجعهم هرش الحشرات الطفيلية، وكذا قطرات المطر المتسربة اليهم من فجوات صفائح القصدير الصدئة والمتآكلة، التي أصبحت جزءا من حياتهم اليومية.
لا أحد يجرؤ على الاقتراب من “ديور النصارى” الحي الاداري المحظور، إلا الخادمات والمستخدمين، وهؤلاء الذين يتوارون خلف الأشجار، ليتفرجوا على احتفالاتهم و”كرنفالاتهم” وهم يصدحون ويمرحون، يغنون ويرقصون في الشوارع والحدائق..