هل توجد نساء فيلسوفات ؟ 2/3

 الأستاذ محمد الهلالي

النموذج الأول “حنا أرنت (1906-1975)

واجهت حنا أرنت التوتاليتارية المتمثلة في النازية والشيوعية الستالينية. وتساءلت عن طبيعة الإنسان الذي خلقه القرن العشرون: عنصر قابل للاستبدال وتقديمه كقربان. وتنطلق رؤيتها من الارتباط بالإرث والتراث. فإنسانية الإنسان لا تتحقق بتصفية الماضي وتطليق الأصول وتبني عقل جبار.

وقادها هذا التأمل إلى أولوية مسألة الله بالرغم من ادعاء المجتمع الحديث العكس. فالعلاقة مع التراث انقطعت بسبب ثورات القرن الثامن عشر والحرب العالمية الأولى والثانية.

فعجز الجماهير على مقاومة الإيديولوجيات التوتاليتارية سببه أن الناس لم يعودوا يؤمنون بمطلقات. فإذا كان من المستحيل البرهنة العلمية على وجود الله فإن سبب ذلك هو أن ماهية الإيمان هي فعل حر لا يمكن اختزاله إلى أية أسباب. وترى أن الداعين للعودة للدين وللإيمان لأسباب سياسية “لا يؤمنون بالله” مثل خصومهم. كما تنتقد العلوم الاجتماعية التي تعتبر الدين مجرد إيديولوجية تقوم بوظيفة اجتماعية.  تقول: “إن العالم الذي نعيش فيه ليس عالما علمانيا طرد الدين من الشؤون العامة فقط، وإنما هو عالم ذهب إلى حد تصفية الله من الدين”.

وفي دراستها للثورة استنتجت أنه لا يمكن تأسيس السلطة على الإرادة الشعبية. لأنه من الضرورة الاحتفاظ بمكانة أساسية للمطلق والمتعالي. لا يمكن تجاوز التعالي.

وإذا كان الدين قد خسر مجال الشؤون العامة فقد استفاد من تحرره من خدمة الأمير. وتتبنى فكرة القديس أوغسطين (الذي كان فكره محور أطروحتها في الدكتوراه تحت عنوان مفهوم الحب عند القديس أوغسطين) القائلة: بأن الله خلق الإنسان بهدف إدخال الحرية في العالم.

ومن هذا المنظور انتقدت القيم السلبية المرتبطة بالرأسمالية وخاصة وضعية الشغل في العالم الحديث. فالإنسان رغم أنه عوض بالآلات فهو لم يستفد من ذلك (تحقيق الحرية تجاه الشغل وتوسيع مدة ومجال الإبداع والعمل السياسي كعمل جماعي) بل لقد أصبح أكثر خضوعا للضرورة: فكل شيء أصبح شغلا. فالمجتمع كله أصبح مجتمع شغالين وعمال، وكل من الرأسماليين والماركسيين يضعون الشغل على رأس قائمة اهتماماتهم.

تقول: “في مجتمع مثل هذا، حتى الرؤساء والملوك والوزراء يرون أن ما يقومون به يعتبر وظائف ضرورية لحياة المجتمع. ولم يتبق في أوساط المثقفين إلا بعض المتوحدين المنعزلين الذين يعتبرون ما يقومون به كإبداعات وليس كوسائل لربح المال. إن ما ينتظرنا في المستقبل هو مجتمع للعمال بدون عمل، بشر محرومون من النشاط الوحيد المتبقي لهم، لا يمكن أن نتخيل أسوأ من ذلك”.

وبعد الموقف من التراث ومن الشغل تتناول العنف الذي ترى أنه ظاهرة قديمة في السياسة لأن الحرب والثورة مشكلتان سياسيتان مركزيتان. وإذا كانت الحروب متجذرة في التاريخ فإن الثورات ملازمة للأزمنة الحديثة. وبينما ارتبطت الثورة بالحرية فمن النادر ما تكون للحرب علاقة بالحرية. ولم يتم التمييز بين الحروب العادلة وغير العادلة إلا في العهد الروماني القديم. ويدل غياب أي تحليل أو دراسة للعنف في العهود القديمة على اعتباره أمرا عاديا.

والعنف مضاد للسلطة لأنه ينتمي لما قبل السياسة. فالسلطة تميز قدرة الإنسان على الفعل بالتشاور مع الآخرين لأنها ليست ملكية خاصة بل إنها فعل الجماعة. وهكذا فكل حكومة ترتكز على الرأي العام في قيامها وممارستها للسلطة. وإذا كان الرأي العام ضد الحكومة فلن ينفع شيء لاستمراريتها بما في ذلك احتكار العنف.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد