الدكتور عزوز التوسي
بغض النظر عما أثير حول هذا الموضوع من نقاش بعضه فقهي وبعضه سياسي او أنثروبولوجي، فإن ظاهرة الحجاب ارتقت من مستوى السلوك الفردي (السيكولوجي) إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية بكل المقومات التي تجعل من سلوك ما ظاهرة ذا بعد سوسيولوجي.
لكن هذا البعد السوسيولوجي لا يمكن البتة أن يغيّب المشاعر والمواقف والانفعالات والقناعات والأفكار الفردية وفي نفس الوقت العلاقات والتفاعلات مع جماعات الانتماء (الأسرة، مؤسسة العمل، الحي…)، وبالتالي فإن ظاهرة الحجاب تبقى أيضا ظاهرة سيكولوجية وسيكوسوسيولوجية يتفاعل فيها الفردي مع الاجتماعي.
لا يمكن الحديث عن حمل الحجاب بالمفرد، فهناك حالات متعددة بتعدد الدوافع والمسوغات وبتعدد القناعات الكامنة وراء حمله.
وبعيدا عن الخوض في الجانب الديني من الأمر وما يطرحه من إشكال حول مدى كون فرضه كان عاما على كل نساء المسلمين أم على نساء الرسول صلي الله عليه وسلم فقط أم النساء الحرات لتمييزهن عن الإماء ضمن فضاء المدينة تفاديا للتحرش الجنسي، بعيدا عن كل ذلك يمكن القول إن الحجاب أحيانا، بل وفي أغلب الأحيان، يتخلص من بعده الديني ليرتدي خاصية سوسيولوجية أو سيكولوجية أو سيكوسوسيولوجية.
أما من حيث بعده السيكولوجي، فإن الحجاب يعكس علاقة الفتاة أو المرأة بالجسد ومنظورها للذات من خلالها تصورها لجسدها واهتمامها به وأحيانا لإخفاء الجسد، ليس مخافة إثارة الفتنة دائما، بل ولتفادي عوائقه ومعيقاته في بعض الأحيان. لذلك نجد الحجاب في مثل هذه الحالات يشكل امتدادا للذات الجسمية أو تزيينا لها. إنه طريقة في اللباس أو أكسسوار مُزين (تعويض الاهتمام بتسريحة الشعر بارتداء أشكال من غطاء الرأس). لذلك نشاهد أحيانا إناثا يلبسون الحجاب ويرتدون في نفس الوقت سراويل كاشفة ينظر لها البعض على أنها مفارقة، في حين إنها لا تخلو من تناغم بفعل أن كلتي القطعتين تشكلان أدوات لتزيين الجسد.
أما من حيث بعده السوسيولوجي، فإن تفشي ظاهرة حمل الحجاب تصبح أداة اجتماعية ضاغطة، خاصة في المدن الصغرى والأحياء الشعبية حيث يتعاظم الضغط الاجتماعي ويرتهن سلوك الفرد بما تميل إليه الجماعة لا بما تشكله القناعة الفردية (H.Mendras).
يمكن أيضا للحجاب أن يشكل تقليعة (موضة) أو عرفا اجتماعيا في بعض الأوساط يتحكم سلوكاتنا ويؤثر في مواقفنا، أي نموذجا ثقافيا يتم تبنيه ويضطر المرء إلى ممارسته بغية الاندماج الاجتماعي والتقبل (الهروب من الاستثناء وأيضا من الوصم).
الحجاب، أيضا، يمكن ان يشكل أداة علاقة مع الآخر، نرسل من خلالها خطابات نتوخى منها هدفا ، قد يكون هذا الهدف الرغبة في التقبل أو الخوف من الانتقاد أو تشكيل صورة إيجابية أو درء تصور سلبي أو إخفاء سوء. وقد يكون كذلك استجابة لرغبة الآخر (تقبل بعض النساء لرغبة زوجهن أو أسرتهن بالرغم من عدم اقتناعهن).
إن هذه الحالات لا تلغي حالات أخرى قد يكون في ارتداء الحجاب بفعل قناعة دينية وتأويل لمنطوق القرآن أو السنة. وفي كل الأحوال يمكن القول إن الحجاب يحقق إشباعا لحاجة نفسية (تصور الذات) أو لضغط اجتماعي أو لرغبة في الإقناع وتجميل الصورة لدى الآخر أو قد يكون ذا بعد عقيدي.
لذلك إن تحليلا رصينا لظاهرة الحجاب لا يمكن ان تتأتى إلا من خلال مقاربات ثلاثة:
– مقاربة مكبرة (سوسيولوجية) Macro
– مقاربة متوسطة (méso) وترتبط بتحليل الجماعات والتفاعلات؛
– مقاربة مصغرة (micro) وترتبط بسيكولوجية الفرد.