ما الأنوار ؟

موسى مندلسون

ترجمة محمد الهلالي

لازالت كلمات الأنوار والحضارة والثقافة تعتبر كلمات حديثة الالتحاق بلغتنا الألمانية. وتنتمي في الوقت الراهن للغة الكتب، بحيث أن العامي لا يكاد يفهم معانيها. لكن هل يكفي هذا الوضع للاستدلال به كحجة على أن هذه المسألة لا زالت جديدة عندنا ؟ أنا لا أعتقد ذلك. يقال عن شعب من الشعوب أنه لا يملك كلمة دقيقة ليعبر بها عن رغم أنه يمكن في نفس الآن الاعتراف، «المعتقد الخرافي» و«الفضيلة» بامتلاكه حقا لهذين الميزتين.

 

ومع ذلك فاستعمال اللغة الذي يريد ـ على ما يبدو – الاعتراف بوجود اختلاف بين هذه الكلمات التي لها نفس الدلالة لم يتمكن بعد من تثبيت الحدود الفاصلة فيما بينها. فالثقافة والحضارة والأنوار هي تنويعات للحياة الاجتماعية، ومفعولات لتفاني وجهود البشر نظرا لتغير وضعهم الاجتماعي.

 

فبقدر ما يكون الوضع الاجتماعي لشعب من الشعوب في انسجام مع مصير الإنسان عبر الفن والتفاني، بقدر ما يملك هذا الشعب من ثقافة.

 

تتكون الثقافة من الحضارة والأنوار. ويبدو أن الحضارة تميل إلى الممارسة: أي إلى الطيبوبة والرقة والجمال في الصناعة التقليدية، وإلى الفنون والتقاليد الاجتماعية (الجانب الموضوعي)، إلى المهارة والتفاني والبراعة، أما الثانية فتنحو نحو الميول والغرائز والعادة (الجانب الذاتي). وكلما تطابقت هذه المعطيات عند شعب من الشعوب مع مصير الإنسان، كلما اعترف له بامتلاك الحضارة، مثلما أن قطعة أرض لا تعتبر خصبة إلا بقدر ما تنتج من ضروريات للإنسان بفضل تفانيه. ويبدو أن الأنوار، على العكس من ذلك، ترتبط بما هو نظري، بالمعرفة العقلانية (الموضوعية) والبراعة (الذاتية) النافعة للتفكير العقلاني في مواضيع الحياة الإنسانية حسب أهميتها وتأثيرها على مصير الإنسان.

 

أضع على الدوام مصير الإنسان كمقياس وكهدف لكل آمالنا وجهودنا، كعلامة يجب أن نوجه نحوها بصرنا إذا أردنا ألا نتيه. فاللغة تكتسب خصائص الأنوار بواسطة العلوم، وتكتسب الثقافة من خلال التجارة الاجتماعية والشعر والخطابة. فالأولى تجعلها أكثر براعة للاستعمال النظري، والثانية للاستعمال العملي. والاثنان معا يمكنان اللغة من اكتساب الثقافة.

 

في الظاهر، الحضارة هي الطلاء الخارجي، ولتبارك الأمة التي يكون طلاؤها هو مفعول الحضارة والأنوار، والتي تكون الأصالة المتينة هي أساس إشعاعها الخارجي ورقتها الداخلية.

 

إن الأنوار هي بالنسبة للحضارة ما تشكله، عموما، النظرية بالنسبة للتطبيق، وما تشكله المعرفة بالنسبة للأخلاق. فإذا تم النظر إليهما في ذاتيهما ومن أجل ذاتيهما (موضوعيا) فسيوجدان في ترابط جد دقيق رغم أنهما من الناحية الذاتية يمكنهما أن يوجدا في حالة انفصال في أغلب الأحيان.

 

يمكن القول أن سكان مدينة «نورومبرغ» والفرنسيين يحظون بقسط وافر من الحضارة، بينما يحظى سكان برلين والإنجليز بقسط أكبر من الأنوار، وأن الصينيين يتمتعون بمستوى أعلى من الحضارة ومستوى أدنى من الأنوار، وان اليونانيين امتلكوا الحضارة والأنوار معا، لأنهم كانوا أمة مثقفة، كما كانت لغتهم لغة مثقفة. وبصفة عامة، فإن لغة شعب من الشعوب هي أفضل شاهد على ثقافته وعلى حضارته وأيضا على الأنوار وامتدادها وكثافتها.

 

إضافة على ذلك، ينقسم مصير الإنسان إلى: 1. مصير الإنسان منظورا إليه كإنسان. 2. مصير الإنسان منظورا إليه كمواطن.

 

وفيما يخص الحضارة، فإن هذين الاعتبارين يلتقيان في أن لا قيمة لجميع الكمالات العملية إلا إذا ارتبطت بالحياة الاجتماعية، وأن تتعلق، كنتيجة لذلك، بمصير الإنسان في المجتمع على وجه الخصوص. فالإنسان كإنسان لا يحتاج للحضارة وإنما يحتاج للأنوار. فوضعُ كل فرد ومهنته في الحياة المدنية يحددان بالنسبة لأعضاء هذه الحياة المدنية الواجبات والحقوق، ويتطلبان، بالتناسب مع ذلك، من نفس الأعضاء كفاءة وقدرة وميول وغرائز وعادات وتقاليد وحضارة وطلاء خارجي آخر. وكلما انسجم هؤلاء، كيفما كان وضعهم، مع مهنتهم، أي مع مصائرهم المتتالية كأعضاء في المجتمع، كلما كانت للأمة حضارة خاصة. ويطلب من كل فرد، حسب وضعه ومهنته، أن يمتلك معارف نظرية أخرى، وقدرة أخرى على اكتساب هذه المعارف النظرية ودرجة أخرى من الأنوار. فالأنوار التي تهم الإنسان كإنسان هي كونية، كيفما كانت حالة الفرد. فالأنوار المتعلقة بالإنسان كمواطن يتغير حسب وضعه ومهنته. ويطرح مصير الإنسان هنا في العديد من المرات مقياس وهدف جهوده.

 

وانطلاقا من ذلك، فالأنوار المميزة لأمة من الأمم يجب أن تعبر عن نفسها: 1. كقاعدة موسعة للمعرفة 2. ذات أهمية، أي طبيعة علاقتها بمصير (أ) الإنسان و(ب) المواطن 3. ولها القدرة على الانتشار عبر جميع الظروف 4. في تناسب مع مهنة الإنسان. ويجب أيضا كنتيجة لذلك، تحديد درجة الأنوار التي تميز شعبا من الشعوب حسب تركيبة رباعية المكونات، تتشكل أيضا عناصرها نفسها جزئيا من عناصر تربطها فيما بينها علاقة أكثر بساطة.

 

يمكن لأنوار الإنسان أن تدخل في صراع مع أنوار المواطن، كما يمكن لبعض الحقائق النافعة للإنسان باعتباره إنسانا أن تضره أحيانا باعتباره مواطنا. ويجب أن نأخذ هنا ما سيلي ذكره بعين الاعتبار. يمكن أن يتولد اصطدام ما بين: 1. المصائر الأساسية للإنسان أو 2. المصائر العرضية للإنسان، و3. المصائر الأساسية للمواطن أو 4. المصائر غير الأساسية أي العرضية للمواطن.

 

بدون المصائر الأساسية للإنسان، فإن هذا الأخير سينحط إلى درجة البهائم، وبدون المصائر غير الأساسية فإنه لن يعتبر مخلوقا طيبا ومدهشا كما يبدو ذلك. وبدون المصائر الأساسية للإنسان كمواطن، فإن بنية الدولة ستتلاشى، وبدون المصائر غير الأساسية فلن تظل تلك البنية كما هي في بعض العلاقات الثانوية.

 

بئيسة هي الدولة التي عليها أن تعترف أن المصير الأساسي للإنسان فيها لا يمكنه الانسجام مع المصير الأساسي للمواطن، وأن الأنوار التي لا مناص منها للإنسانية لا يمكنها أن تنتشر في جميع دول الإمبراطورية دون أن تتعرض البنية لخطر الزوال. لتصمت الفلسفة، ولتملي الضرورة هنا قوانينها، أو بتعبير أفضل، لتصنع قيود لتكبل بها الإنسانية من أجل إخضاعها والاحتفاظ بها مطولا تحت نير الإخضاع.

 

ولكن لما تدخل المصائر غير الأساسية للإنسان في صراع مع المصائر الأساسية أو غير الأساسية للمواطن، يجب إقامة قواعد تعتمد لمعالجة الاستثناءات وتجنب حالة الاصطدام.

 

ولما تكون المصائر الأساسية للإنسان، للأسف، في صراع مع المصائر غير الأساسية نفسها، لما لا يكون مسموحا بنشر بعض الحقائق النافعة لشرف الإنسان بدون العبث بمبادئ الدين والأخلاق التي تعتبر جزءا منه، في هذه الحالة، فعلى الأنوار، صديقة الفضائل، أن تعمل بانتباه وحذر، وتتحمل الأحكام المسبقة عوض أن تعرض للإهمال جزءا من الحقيقة المرتبط بها بشكل وثيق. صحيح أن هذا المبدأ الأساسي أصبح سلاحا دفاعيا جيدا للرياء وأنه تسبب في سيادة قرون عدة من البربرية والمعتقدات الخرافية. وفي كل المرات التي تقررت فيها مهاجمة الجريمة، تحصنت هذه الأخيرة في هذا المعبد. وفضلا عن ذلك، وبدون أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، فإن صديق البشر سيكون دوما منشغلا بهذا الاعتبار، حتى في الأزمنة الأكثر تنويرا. من الصعب، ولكن ليس من المستحيل، في هذه الحالة، إيجاد الحدود الفاصلة هنا أيضا بين العدة والتعسف.

 

يقول كاتب عبري أنه كلما بلغ شيء ما أعلى مستوى نبله في كماله، كلما انحط إلى أسفل درجة في تعفنه وانحلاله. فحطبة عفنة ليست أكثر فظاعة من وردة ذاوية، وهذه الأخيرة ليست أقل اشمئزازا من حيوان عفن، وهذا الأخير بدوره ليس أقل فظاعة من جسم الإنسان في حالة تعفنه. ونفس الأمر ينطبق على الثقافة والأنوار: كلما ازداد نبلهما في تفتحهما، كلما تعمق تعفنهما في تحللهما وفسادهما.

 

فالمغالاة في الأنوار تضعف الحس الأخلاقي، وتقود إلى العناد والأنانية واللادين والفوضى. والمغالاة في الحضارة تخلق الرخاء والرياء والرخاوة والمعتقدات الخرافية والعبودية.

 

وحيث تتقدم الأنوار والثقافة بنفس الوتيرة تكونان معا بالنسبة لبعضيهما البعض أفضل وسيلتين دفاعيتين ضد التحلل لأن طريقتيهما في التلاشي تكمن في تعارض إحداهما مع الأخرى على الفور.

 

وحسب التفسير المقدم أعلاه، فإن ثقافة أمة من الأمم التي تتشكل من الحضارة والأنوار ستكون أقل عرضة للإصابة بالتحلل.

 

فأمة مثقفة لا تتعرض هي نفسها لأي خطر ما عدا الإفراط في سعادتها الوطنية، مثلها في ذلك مثل صحة الجسم البشري التامة، حيث يمكنها أن تعتبر مسبقا في ذاتها ولذاتها مرضا أو في طريق الانتقال إلى المرض. فالأمة التي تبلغ عبر الثقافة أعلى درجة السعادة الوطنية، تعاني انطلاقا من هذا الأمر ذاته من خطر التلاشي لأنها تعجز عن الارتقاء إلى الأعلى. ويقودنا هذا الأمر مع ذلك بعيدا عن المسألة الراهنة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد