ذ. عبد العزيز عبقري
يعتبر “الرأي العام” أحد أهم أسس الديمقراطيات الحديثة. فلكي تكون أية دولة في عصرنا ديمقراطية، ينبغي عليها أن تحترمه، بل عليها أن تأخذه بعين الاعتبار، وبالتالي فحكوماتها المنبثقة من الاقتراع العام لا تستمد مشروعيتها إلا منه. لقد أصبح إذن الرأي العام شيئا مقدسا ينبغي أن يطاع وأن يتم الامتثال له. فلا يمكن لأي خطاب أن يحظى بأي درجة من المصداقية دون أن يحظى بأي نوع من تأييد الرأي العام له، إنه هو الذي يشكل في مجال الحياة العامة معيار الصدق والكذب. لا عجب أن نجد حتى الحكام المستبدين بل كذلك الديكتاتوريين دون أن ننسى الحركات النكوصية الماضوية التي تحاجج هي الأخرى سياسيا باسم الرأي العام. ماذا يعني الرأي العام إذن؟ هل المقصود به هو الأغلبية ؟ من أين يستمد هذه القيمة ؟ هل من المعرفة و الفكر أم من شيء آخر ؟
الرأي عند الإغريق يعني “الدوكسا” وهو المصطلح الذي يحيل إلى المظهر، لهذا نجد أفلا طون يحتاط من كل من يبقى في حدود الرأي. إن من يفعل ذلك هو سجين بالنسبة له لما هو حسي وما هو مبتذل وبالتالي لن يتمكن من إدراك الحقيقة. ذلك ما جعله يصف السفسطائيين على أنهم “فلاسفة الدوكسا’ لأنهم كانوا يهتمون بدغدغة عواطف الجمهور ولأنهم كانوا يتعاطون للديماغوجية وما جعلهم بالنسبة له لا يبالون بالحقيقة.
هذا الاحتياط تجاه الرأي والذي ساد في الفلسفة الكلاسيكية سواء عند أفلاطون أو عند أرسطو سنجده مستمرا حتى عند ديكارت بل وعند سبينوز، فمعظم الفلاسفة سيعطونه نفس المرتبة المعرفية التي أعطاها له أفلاطون وهي المرتبة الصفر في مجال المعرفة والتي سيبقى عليها، لأن الرأي مهما وصل من درجة معرفية سيبقى بعيدا عن المتطلبات والإكراهات العقلية.
إن الرأي هو ما نتلقاه وليس ما نتوصل إليه، إنه مقرون دائما بما هو شائع، أي إلى ما يحيل دائما إلى ما يقال من طرف الضمير الغائب. إنه يعكس غياب البحث وسلبية الذهن وخمول الفكر. يذكرنا هايدغر بأن الإحالة إلى ضمير الغائب هو بحث عن الاختفاء والبقاء في السرية، مما يجعل الفكر المعتمد عليه فكر تنعدم فيه المسؤولية، الشيء الذي ينزع عليه كل أصالة. فحتى لو أصاب الرأي الحقيقة، إذا ما حدث ذلك، وهو ما قد يقع فقط بالصدفة. الرأي دائما متأخر عن الحقيقة لأنه ليس مؤسسا على برهنة كما لا يحتاج إلى حجة، ذلك ما يفسر ما يحدث حين يتخاصم رأيان، فلا يمكن أن نجد حلا لذلك لأن كل طرف لا يقبل بحجة الطرف الآخر.
حينما يتحدث أفلاطون في محاورة “مينون” عن إمكانية وجود رأي مستقيم فلأنه يريد أن ينبه إلى ضرورة عدم الأخذ بعين الاعتبار للرأي إلا إذا كان حاضرا في الذهن بشكل جيد حيث يكون مبنيا على مبدأ برهاني خصوصا مبدأ السببية.
غالبا ما اقترن الرأي في الفكر المعاصر، وخصوصا في مجال العلوم الإنسانية بمفهوم الإيديولوجيا، فهذه الأخيرة لا تؤسس العلم، بل على العكس، كما قال “ألتوسير” هي نقيض العلم، فهي لا تكون مفيدة على صعيد المعرفة بل على صعيد السياسة والسلطة. إن كل سياسة وكل سلطة تقوم على إستراتيجية الهيمنة وذلك ما يتحقق لها عن طريق الإيديولوجيا. إنها هي التي تخضع الناس وتجعلهم يتقبلون ما يلقى عليهم فهي التي تبرر الهيمنة الاجتماعية، غير أنها هي الأخرى محتاجة إلى تبرير من نوع آخر ذلك هو الهدف من إبداع ما يسمى بالرأي العام. إن المكانة والقيمة التي يحظى بها هذا المفهوم في عصرنا الحالي يترجم الحاجة إلى معيار لجعل نظام الخطاب المميز للعصر، على حد تعبير “فوكو” ينال النجاعة، بل قد يرقى إلى مستوى الحقيقة. فلكل عصر حسب “فوكو” إبستيمية الخاص به الذي بمقتضاه يصبح الخطاب المهيمن حينه خطابا للحقيقة. فلكي يروج الخطاب ويصبح ساري المفعول يحتاج إلى مجموعة من التقنيات والإجراءات، وإذا كان عصرنا يقرن بعصر العلوم والتكنولوجيا، الشيء الذي جعل مفهوم “العلمية” هو المعيار لقول الحقيقة، انسجاما مع طبيعة المجتمع الصناعي البورجوازي الذي يعطي الأولوية والأفضلية للمرودية والإنتاجية، وهو ما أدى إلى ظهور العلوم الإنسانية نفسها. في هذا الإطار أصبح من اللازم على كل خطاب أراد أن يفوز بالأهمية والقبول والانتشار أن يستمد مشروعيته مما يسمى ب”مراكز البحث أو معاهد الدراسات”، كما أن كل باحث أراد أن يفرض اسمه عليه أن يعترف به ك”خبير”. هذا ما أدى إلى اعتماد السياسة والسياسيين على ما يطلق عليه ب”استطلاع الرأي”، ذلك ما جعل المؤسسات المصنفة بالعلمية هي التي تجعل من أي خطاب ترضى عنه خطابا للحقيقة أو للخطأ و بالتالي ما يؤدي إلى نبده و رفضه. بهذا الشكل صارت السياسات ملزمة على توسل المصداقية من المؤسسات المسماة “علمية “حتى تنال المشروعية بحجة مسايراتها أو استجابتها للرأي العام. بهذا المعنى أصبح هذا الأخير هو الغول، بل الديكتاتور الذي يحكم في المجتمعات الليبرالية، فهو الذي يعطي صكوك الحقيقة، ولا عجب أن يتخذ مسار الحداثة، كما وصفها هايدغر منحى الديمقراطية القطيعية إذ غدا كل شيء معمما وأصبح التطابق في كل شيء هو القاعدة وعم التشابه المطلق الذي تحقق بالشكل الذي يلغي كل إمكانية الاختلاف. إن كل شيء قد تدمقرط، التقنيات تدمقرطت، اللباس تدمقرط، الأزمات هي الأخرى تدمقرطت “إلا الفكر طبعا”. الحديث هنا عن الدمقرطة لا يعني سيادة العدالة الاجتماعية أو التوزيعية بل غيابهما المطلق وتعويضهما بالتوحيد في كل شيء، حتى الأجسام أصبحت موحدة ومتشابهة. انه فعلا التطابق الذي يسود العالم والذي يلغي كل إمكانية الاختلاف، فقد أصبحنا نأكل نفس الشيء ونستهلك نفس الشيء وبنفس الطريقة، ربما تحولنا إلى ربوهات تسير من بعيد وبواسطة أداة للتحكم، دون أن يعني ذلك أن هناك ذات، قد تكون فردا او جماعة، وراء ذلك، بل إنها الصيرورة ،بلغة هيراقليدس والتي أفضت بالإنسان إلى العالم الرأسمالي حيث سيتم حمله إلى مثواه الأخير لأنه سيلقى فيه حتفه مدام انه تحول إلى قطيع لا راعي له فهو قد سلم نفسه للتقنية تقوده على صعيد تنظيم والتخطيط والتدبير لشتى مظاهر العيش في جميع المجالات من أسرة و إدارة وإنتاج.
إذا كان ذلك قد حصل في جميع مناحي الحياة، فأما على صعيد الوعي فالصحافة والإعلام وسائل الاتصال الجماهيري هي التي تولت مهمة صناعته وتوجيهه، بل واستثماره. إنها هي التي تلعب الدور الأساسي في تشكيل الوعي الجمعي أو إن جاز القول رد الفعل الجمعي تجاه قضية ما، خصوصا فيما يتعلق بالمجال المجتمعي أو السياسي. ذلك ما يعبر عنه بمفهوم “الرأي العام”. فلم تعد وسائل الإعلام أدوات للإخبار أو للتواصل بل تجاوزت كونها وسائل للتعبئة حيث صارت “ناطقا باسم الحقيقة”. فقبل أن تقع الحرب فهي تحصل على مستوى الإعلام وقبل أن تحدت الأزمة فهي تحدت على صعيد الإعلام. إن الوقع الفعلي هو الواقع الإعلامي، أما واقع الناس فهو الواقع الافتراضي لأنه هو النسخة، في حين أن الحقيقة، فهي تكمن في الإعلام انه الأصل. فالإعلام هو السلطة الفعلية المتحكمة حتى في السلطة السياسية. هذه المكانة وهذه القدرة ازدادت قوة مع تطور الصورة التي أصبحت أكتر إُثارة وأشد افتتانا. إن الإعلام هو الذي يخلق الزعماء و الأبطال والنجوم والشخصيات كما انه هو الذي يخلق الأحداث، فمن يملك الإعلام هو الذي يملك العالم خصوصا حينما دخل الرأسمال مجال الاستثمار الإعلامي. ما المقصود إذن بالإعلام ؟ وما هي طرق اشتغاله ؟.
الإعلام ترجمة لكلمة ميديا وهي من الأصل اللاثيني “ميديوم” التي تعني طريق العامة، هذه الأخير لا تريد من يدعوها الى التفكير بل تبحث عن البهرجة والاثارة لهذا ينجد ب اليها الجمهور، أي الى وسائل الاعلام، فهي التي تشده اليه لأنها لا تطلب منه ان يبذل أي مجهود وذلك ما ازداد فعالية مع دخول الصورة للإعلام والتي مكنته من الاستحواذ على العقول لما للصورة من اثار على العين ولما لهذه الأخيرة في النظر الذي ليس فقط مجرد بصر بل ثقافة، وما ثقافة الصورة الا استهلاك وخير معبر عن ذلك هو الاشهار. بهذا الشكل صار الاعلام قوة خرافية هي التي تصنع العالم المعاصر وهي التي تحركه. إن ما زاد من حدة الامر وما جعل الصحافة والإعلام يصلان إلى هذه الدرجة ويمتلكان هذه القوة هو معرفتهما لكيفية استغلال منجزات الحداثة التي جاءت بالمكتسبات المتمثلة في الحرية السياسية والمساواة القانونية، وعلى الخصوص حرية الرأي والتعبير وحرية الاعتقاد وحرية التنقل، أي ما يسمى بالحريات الليبرالية، والتي ترجمت إلى واقع عبر ما يسمى بحرية الاختيار وتم تجسيدها في إطار الاقتراع العام. فهذا الإنجاز هو الذي جعل الجماهير تلج عالم السياسة كأصوات وبالتالي كحاجة للسياسيين وللحكام وخصوصا أصحاب المصالح ما دام أن السياسة في المجتمعات البورجوازية الليبرالية هي الدفاع عن المصلحة الاقتصادية والمادية. كل ذلك جعل وسائل الإعلام، من صحافة وراديو، وخصوصا التلفاز، يتحول من أداة للخبر إلى أدوات للاستقطاب ثم بعد ذلك ستصبح وسيلة للحشر الجماهيري. خصوصا مع الإمكانيات التي أصبحت تتيحها الصورة التي أصبحت إمكانية اللعب بها جد مهولة. هكذا سيكتشف الإعلام أنه أمام الجمهور الذي عليه أن يخدمه وأن يؤدي له المهمة وبالتالي عليه أن يرضيه. فماذا يريد الجمهور وماذا ينتظره من الإعلام ؟. كل المحللين والدارسين السيكولوجيين (أنظر مثلا سيكولوجية الجماهير) يجمعون على أن الوصف الذي قدمه “سقراط” للجمهور في محاورة “الجمهورية” هو الذي يصدق على الجماهير طيلة العصور وسيبقى كذلك، ولنا في كرة القدم خير دليل.
يصور سقراط الجمهور على انه مثل الأسد لا ينصت إلا لمشاعره وعواطفه وأهوائه فهو في هيجان دائم ولا يمكن أن يستحمل من يطالبه بالتفكير والتحليل، في حين انه ينساق مع من يعرف كيف يدغدغ أحاسيسه، مثلما لا يريد من ينتقده بل من يناصره رغم انه يريد به خيرا. على عكس ذلك فمن يعرف كيف يخادعه فهو المحبوب عنده، أما الذي يصارحه ويقول له الحقيقة فهو ينقلب عليه بل قد يحاكمه ولنا في تجربة سقراط/السفسطائيين اليونانية وكذلك تجربة ابن رشد/الغزالي خير مثالين